إذا كان الاقتصاد الإسلامي هو: (الأحكام والقواعد الشرعيَّة الَّتي تنظِّم كسبَ المالِ وإنفاقَه وأوجهَ تنميتِه)، فإن أحد أصوله الأصيلة وأركانه الركينة التي يستقي منها أحكامه هو الاقتصاد النبوي؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم هو المشرع، وحديثه وسيرته هي ثاني الوحيين. 

 

وهذا المصطلح لا بدَّ من إدراجه اليوم ضمن المصطلحات الاقتصاديَّة الإسلامية؛ والذي عرَّفْتُه بأنه: (تعاملُ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم مع أمواله وأصوله الخاصَّة كَسْباً وإنفاقاً وأوقافاً).

 

ولبيان الاقتصاد النبوي نسلط في هذا المقال بعض الأضواء على تعريف الاقتصاد النبوي: 

أما: (تعامل النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم): فهو المستفاد من النُّصوص والنقول الصحيحة الواردة في تعامل النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم مع المال كسباً وإنفاقاً.

 

وأما: (مع أمواله): فقد كان للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أموالُه الخاصَّة، اختصَّه الله عزَّ وجلَّ بطُرُقِ كَسْبِها، وبيَّن له طُرُقَ إنفاقها ووقْفها. وتشتركُ مع أموال بقيَّة المسلمين في مَصادِر، وتختلفُ في أخرى، كذلك تشتركُ مع أموالهم في مَصارِف، وتختلفُ في أخرى.

 

وأما: (كَسْباً): فيتناول وارداتِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم كلَّها الَّتي سبَبُها عمَلُه الشَّخصيُّ أو العطاءُ الإلهيُّ بِصِفَتِه: (محمَّداً بنَ عبدِ الله صلى الله عليه وسلم). والخاصَّة به كرسولٍ من عند الله بِصِفَتِهِ: (محمَّداً رسولَ الله صلى الله عليه وسلم).

 

وأما: (إنفاقاً): فيتناول نفقاتِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم كلَّها بِصِفَتِهِ صاحبَ أسرةٍ وعيال وخَدَم، وبصِفتِه نبيَّاً أجرى الله على يده رزقَ بعضِ أمَّته من طعامٍ وشرابٍ ولباسٍ وتزويجٍ... ونحو ذلك.

 

وأما: (أوقافاً): فيتناول جانباً من حكمة النبي صلى الله عليه وسلم في تدبير معيشة آله وأزواجه وقرابته وبعضِ فقراء أمَّته واليتامى وأبناء السبيل.. مِن بعده، ولا سيَّما أنَّه صلى الله عليه وسلم لا يورَث.

 

ومن خلال تعريف الاقتصاد الإسلامي وتعريف الاقتصاد النبوي تنجلي العلاقة بينهما بأنهما يتعاملان مع المال كسباً وإنفاقاً، غير أن الاقتصاد النبوي هو الأصل، وهو الأوسع -برأيي-؛ لأنه يبحث مفردة أصيلة أخرى وهي الأوقاف (الأحباس)، ويعطيها حيزاً أكبر مما نالته في الاقتصاد الإسلامي، بل الوقف النبوي هو المتميز في التعامل مع الوقف ضمن حدود وضوابط أضيق مما هو عليه في الاقتصاد الإسلامي.

ثم إن الاقتصاد النبوي يستوعب الاقتصاد الإسلامي، ويتميز عنه باشتماله على خبرة النبي صلى الله عليه وسلم التاجر الماهر الحاذق في تعاملاته المالية.

 

ومن جهة أخرى يحتوي الاقتصاد النبوي على موارد ومصارف خاصة به صلى الله عليه وسلم، وهذا ما يعطيه وجه اختصاص بصاحبه صلى الله عليه وسلم، ويجعله في بعض نواحيه أضيق من الاقتصاد الإسلامي بعمومه، لكن فسحة الأسوة فيه تبقى واسعة؛ إذ إنه في أكثره ليس حبيساً على الخصائص النبوية الشريفة.

 

وبذلك تَظهَر أهمِّيَّة بيان الاقتصاد النَّبويِّ بحقيقته وحجمه، وكَشْفِ المنهج القويم لسيِّد الخلائق الَّذي سَنَّه لأمَّته لتحوز كفايتها وغناها في الدُّنيا قبل الآخرة؛ إذ إنَّ تشويه السُّلوك النَّبويِّ الاقتصاديِّ يؤدِّي إلى خللٍ في سلوك المتأسِّين بالنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، مما يترك أثراً بليغاً على حالتهم الاقتصاديَّة حاضراً ومستقبلاً.