يرى الناظر في آراء العلماء من السلف والخلف موقفين متنافرين، فبعضهم يتنزَّه عن الدُّنيا مع أنَّ الله أمرَ بإعمارها بقوله تعالى في سورة هود: {...هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا...} والتَّمتُّع بها في قوله تعالى في سورة البقرة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ}، وقولـه تعالى في الأعراف: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ}.

 

فتقرأ للإمام أبي حامد الغزالي -مثلاً- أنه قسم أحوال الفقر إلى خمسة، جعل أولاها وأعلاها: (أن يكون بحيث لو أتاه المال لكرهه، وتأذى به، وهرب من أخذه)، والثانية: (أن لا يرغب في المال، ولا يكرهه)، والثالثة: (أن يكون وجود المال أحب إليه من عدمه، دون النهوض لطلبه)، والرابعة: (أن يكون تركه الطلب لعجزه، وإلا فهو راغب فيه)...

 

وأرى الأولى بالأخذ من هذا التقسيم تقسيم رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي أخرجه الترمذي: «إنما الدنيا لأربعة نفرٍ: عبدٌ رزقه الله مالاً وعلماً، فهو يتقي فيه ربَّه، ويصل فيه رحمه، ويعلم لله فيه حقاً، فهذا بأفضل المنازل. وعبدٌ رزقه الله علماً ولم يرزقه مالاً، فهو صادق النية، يقول: لو أنَّ لي مالاً لعملت بعمل فلانٍ، فهو نيته، فأجرهما سواءٌ...» الحديث.

 

أمثال هؤلاء العلماء -على علو قدرهم ومقامهم- زهدوا بما ليس في أيديهم، وإنْ كان المال في أيديهم ألزَموا أنفسَهم وأتباعهم اتِّهام النَّفس والتَّحسُّر لأجل امتلاكه؛ لأنَّ السَّلف كانوا -بزعمِهم- على غير ذلك، وصاروا يسفِّهون الدُّنيا ويَدْعُون إلى هَجرها، خلافاً لقول الله تعالى: {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ} [القصص:77].

 

وجعلوا يحقِّرون المال ويدعون إلى الفرار منه، مع أنَّ الله تعالى جعل الأموال قيام النَّاس، وقِوَام معايشهم، وصاروا يرفَعون قَدْرَ الفقر إلى مصافِّ الفضيلة مع أنَّه مرضٌ جاء الإسلام ليعالجه.

 

قال الشيخ محمَّد الغزاليّ رحمه الله في كتابه "الطريق من هنا": (إنَّ أعداداً كبيرة من المسلمين زعموا أنَّ صاحبَ الرِّسالة آثَر الفقر على الغنى، ودعا إلى قلَّة ذات اليد، وبهذه الفلسفة الجبانة نشروا الفقرَ في الأمَّة الإسلاميَّة من عدَّة قرون، وجعلوها لا تُحسِن إدارة مفتاحٍ في خزائنِ الأرض! فلننظر: هل جاء في سُنَّة صاحب الرِّسالة تحقيرٌ للغنى وتأخيرٌ لأصحابه وذمٌّ لأنشطتهم؟ في السُّنَّة الصَّحيحة لا يوجد شيءٌ من ذلك!).

 

هذا الاعتقاد بفقر النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وما تبعه من فكرٍ وسلوكٍ أدَّى إلى ظهور طبقةٍ واسعةٍ من الفقراء المسلمين الَّذين زَحَفَت إلى عقولهم فضيلة الفقر الكاذبة، وظنُّوا سوءَ دنياهم بشيراً لحُسنِ أخراهم، فأوَّلوا الأدلَّة، ولفَّقوا الأقاويل، وعطَّلوا النُّصوص، وعاشوا ليموتوا، وظلَّ هذا ديدنهم حتَّى صارت بلادهم ذيلاً لعملاق بلاد الكافرين.

 

 

 

فعلاً.. إن الناظر في آراء العلماء من السلف والخلف يرى موقفين متنافرين، فبعضهم يتنزَّه عن الدُّنيا ويفر من مالها ومتاعها، ويدعي أنه حال النبي صلى الله عليه وسلم وسنَّته، مستنداً إلى أحاديث صحيحة يُنظَر إليها من جانب واحد، أو لا يوقَف على قصتها الكاملة، وأخرى ضعيفة أو موضوعة.

 

قال الشيخ الدكتور العتر في كتابه "منهج النقد" عند الحديث عن أسباب الوضع في الحديث الشريف: (...السبب الثالث: الترغيب والترهيب لحثّ الناس على الخير: صَنَع ذلك قومٌ من الجهَلة يُنسَبون إلى الزهد والتعبّد، حمَلهم التديّن المتلبّس بالجهل على وضع أحاديث في الترغيب والترهيب ليحثّوا الناس على الخير ويزجروهم عن الشر بزعمهم الفاسد)

 

وعلى الجهة المقابلة ترى الفريق الثاني من العلماء يشيد بغير ذلك، فتقرأ لابن بطال في شرح البخاري: (كان النبي  صلى الله عليه وسلم  لا يأكل الصدقة لأنها أوساخ الناس، وأخذُ الصدقةِ منزلة ضعة، والأنبياء منزَّهون عن منازل الضّعة والذلة، وأيضاً فلا تحل الصدقة للأغنياء، وقد عدَّد الله على نبيه أنه وجده عائلاً فأغناه، فلهذا كله حرمت عليه الصدقة).

 

وتقرأ للبيهقي في السنن الكبرى: (مات  صلى الله عليه وسلم  مكفياً بما أفاء الله عليه)، وفي شعب الإيمان: (ومما يدخل في تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم أن لا يقال: كان النبي فقيراً، أو يقال إذا ذكرت مجاعته أو شدة لقيَها: مسكين).

 

وتقرأ لابن حبان في الصحيح: (كان الله جل وعلا يُطعم رسول الله  صلى الله عليه وسلم  ويسقيه إذا واصل، فكيف يتركه جائعاً مع عدم الوصال حتَّى يحتاج إلى شدِّ حجرٍ على بطنه).

 

وتقرأ لتقيَّ الدِّين السُّبكيّ في تحفة المحتاج: (كان خَاتِمَةَ أمره  صلى الله عليه وسلم غنياً بما أَفاءَ اللهُ عليه)

 

ويتبعه ابنه تاج الدِّين السُّبكيّ ليقول في طبقات الشافعية الكبرى: (لم يكن  صلى الله عليه وسلم  فقيراً قط، ولا كانت حالته حالة الفقراء، بل كان أغنى الناس بالله، وكان الله تعالى قد كفاه أمر دنياه في نفسه وعياله ومعاشه).

 

وتقرأ للإمام النسفي في بحر الكلام: (منَّ الله عليه  صلى الله عليه وسلم  بالغنى كما منَّ عليه بالهدى، فلو كان الفقر أفضل من الغنى لم يكن للامتنان معنىً وفائدة).  

 

ويقول الحليمي في المناهي اللَّفظية: (مِن تعظيمه  صلى الله عليه وسلم  أن لا يوصف بما هو عند الله من أوصاف الضِّعة، فلا يُقال: كان فقيراً، وأنكر بعضهم إطلاق الزهد عليه).

 

ويقول البسطاميّ في البصائر والذخائر: (من قال: إن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  مسكين فهو كافر، إن النبي  صلى الله عليه وسلم  كان غنياً، ولا أعني بقولي: (كان غنياً) غنياً بالله، ذاك غنى مربوط بالإيمان والتوحيد والإخلاص والطهارة، وما أريد شيئاً من ذلك، فإن ذلك موفورٌ له في العاجل، ومذخورٌ له في الآجل، إنما أعني الغنى الذي هو الأثاث والثياب والدواب والخدم، وإلا فبِمَ جيّش الجيوش، وعقد السرايا، وهادى الملوك، ونحَلَ الصحابة، وزود الوفود، وأنفق على النساء).

 

ولا يخفى على ناظر في روح الإسلام وصحيح نقوله صواب الفريق الثاني. والله تعالى أعلم.