المال غايةٌ عند قومٍ ووسيلةٌ عند آخرين، والبشريَّة منذ فَجْرِ التَّاريخ تسعى إلى الملكيَّة، بل إنَّ الصِّراع الإنسانيَّ قائمٌ على: (أنا أملِك، إذاً أنا أحكُم)، وما السِّياسة إلَّا معنىً معقَّدٌ للاقتصاد، ومِن أهمِّ أبحاثها (الاقتصاد السِّياسيُّ).

واليوم -أكثر من أيِّ وقتٍ مضى- تبرُز قضيَّة ملكيَّة المال لتكون حَجَر الأساس في بناء الأنظمة أو هدمِها؛ إذ يؤرِّق كلَّ مالك أن يُسأل: من أينَ لكَ هذا؟!

وإذا كان هذا السُّؤال مشروعاً لبناء حضارة إنسانيَّة ليس فيها طغيان فإنَّنا نجد الإسلام قد جعل هذا السُّؤال لازماً من لوازمه، بل وأتبعَه سؤالاً لا ينقص أهميَّة عن الأول، وهو: أينَ أنفقْتَ هذا؟!

 

ومراعاةً للمنهج العلميِّ الَّذي ارتضاه الإسلام قانوناً ينسدح على جميع أفراده قمنا بتوجيه هذا السُّؤال الكبير إلى حال شخص النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ للوقوف على معرفة مصادر أمواله صلى الله عليه وسلم ومصارف إنفاقِه، بل وعلى استثماراته بعد وفاته!! إدراكاً أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم ما كان ليُخفي أيَّاً من هذه الإجابات؛ لعِلْمِه اليقينيِّ بأنَّ مَن يقود أمَّة يجب أن يحظى بسيرة ماليَّة نظيفةٍ كسيرتِه الحياتيَّة النَّبيلة الرَّفيعة.

 

فالصلاة والسَّلام عليه إذ قال: «لا تزولُ قدَما عبدٍ يومَ القيامة حتى يُسأل عن: عمره فيما أفناه، وعن عِلمِه فيما فَعَل، وعن ماله من أين اكتَسَبه وفيما أَنفَقَه، وعن جِسمِه فيما أبلاه». [الترمذي]

ومن هنا فإنَّ الاقتصاد النَّبويَّ هو الشَّارح للسِّياسة الاقتصاديَّة المحمَّديَّة، يبيِّن للمتَّبعين طرُقَ كسبِ قدوَتِهم، وطُرُقَ إنفاقِه، وطُرُقَ توريثه وأوقافه، فبينما يعترف العالم بأهمية الاقتصاد الإسلامي وقدرته على قيادة السوق وبناء الحياة، نجد من يتحدث عن رسالة نبي الإسلام بترك الدنيا والزهد بها متناسياً غايات وجودنا من الاستخلاف، والاستعمار، والتسخير، والتعارف، والاختلاف، والتمتع بالزينة والطيبات، وهداية الخلق إلى الخالق...

 

وتتواصل هذه النظرة للمسلميـن من خلال الغرب الذي يبـرز ذلك حتَّى في معنى كلمة فقيـر في معاجم اللغة الإنكليزية! فتجد كلمة فقيـر في معاجم الإنكليزية وبلفظها العربي: (المسلم، المسلم المتدين، الدرويش، المسلم المتسول، الهندوسي، واحد من جماعة المسلميـن).

فهذا ردٌ على ما يقدَّم إعلامياً من الاختصار المـُخِلّ المشوِّه لسيـرة النبي صلى الله عليه وسلم، وتصويره للناس على أنه رجل عاش ومات عالةً على الناس، لَكأن الله أرسَلَه داعياً للفقر منتظراً للموت! فهل هذه سيـرة أكرم الخلق ومعلِّم الناس العيش الكريم؟!

 

ويكفي لنفي ذلك أن يسأل أحدنا نفسه:

  1. ثبتَ جودُ النَّبي صلى الله عليه وسلم، فهل كان ذلك الجود من أموال المسلمين؟
  2. توفِّي النَّبي صلى الله عليه وسلم عن تسع نسوة، حَرُم عليهنَّ الزَّواج بعده، والإرث منه صلى الله عليه وسلم، وأخذ الصَّدقة، فهل تَرَكَ صلى الله عليه وسلم لهنَّ شيئاً؟
  3. هل أرسَلَ الله رُسُلَه ثمَّ ترَكَهم عالَةً على النَّاس، ﴿أَلَيْسَ الله بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر:36]؟
  4. إذا كان الاقتصاد الإسلاميُّ هو الرَّائد اليَوم، فكيف لا يكون النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم أنجحَ الاقتصاديِّين؟