- هل خبر رهن الدِّرع ثابت أو مكذوب؟ وإن ثبت فهل هو دليلٌ على ثرائه صلى الله عليه وسلم أم دليلُ فقر؟

- هل مات النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم مديناً فعلاً؟ فأين وعد الله له بالكفاية والغنى! ولماذا مات ولم يقضِ ما عليه من ذمَم؟

- لماذا اشترى صلى الله عليه وسلم من يهوديٍّ؟ وهل يرسم لنا هذا الحديث وحده طريق التعامل مع اليهود؟

- هل رهنَ النبي - فعلاً - سلاحه عند عدوِّه؟ أم أن الدرع في زمنه شيء آخر!

- أين ميَاسير الصَّحابة؟ أين مؤونة بيته صلى الله عليه وسلم؟ أين أنفاله وغنائمه؟! ثم ألم يكن صلى الله عليه وسلم يدَّخر قوتاً لبيته سنَة كما ورد في الصحيح؟!

هذه، وأسئلة أخرى نجيب عنها في هذا المقال حول حادثة رهن الدرع، وتفاصيلها، والدروس المستفادة منها([1]).

 

أول ما يجب الوقوف عليه هو نصُّ الحديث، فقد أخرج البخاري عن أمِّ المؤمنين عائشة ل قالت: «تُوُفِّيَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم وَدِرْعُهُ مَرْهُونَةٌ عِنْدَ يَهُودِيٍّ بِثَلَاثِينَ صَاعاً مِنْ شَعِيرٍ»([2]).

هذا الحديث يُستشهَد به عادةً في فضل الفَقر، وبيان ما كان عليه النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم من التقلُّل من الدُّنيا وتعمُّد الفقر، ولا شكّ بأنَّ الرِّواية صحيحة سنداً ومتناً؛ لأنَّها وردت في الكتب المعتمَدة([3])، على أنَّ هناك اختلافاً على ما يؤخَذ من الحديث من أحكام؛ لأنَّ ظاهر الحديث مصادِم لصريح أحاديث أخرى في غناه صلى الله عليه وسلم في آخر عهده، وبيان سبب ورودها يكشف أنَّها حادثة خاصَّة في ظرف خاصِّ.

 

وقد أثار هذا الحديث الشَّريف لدينا مجموعة من الأسئلة:

 

السؤال الأول: هل مات النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم مديناً فعلاً؟

لا، لم يمت النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم مديناً، وإنَّما اشترى سلعةً إلى أجل، وتوفِّي قبل أوانِ سدادِ ثمنِها، والَّذي يخرِّج هذه الواقعة -رهن الدِّرع- عن وصفها بالدِّين ما أخرج البخاريُّ نفسه من رواية أنس بن مالك وعائشة رضي الله عنهما بلفظ: (اشترى رسول الله صلى الله عليه وسلم من يهوديٍّ طعاماً بنسيئةٍ، ورهنه درعَه)([4]). فهذا لفظٌ صريحٌ بأنَّ الحادثة محضُ شراءٍ لا دَين.

وبوَّب ابن حبَّان في صحيحه: (باب ذكر البيان بأنَّ الدِّرع الَّذي كان عند اليهوديِّ للمصطفى صلى الله عليه وسلم كان ذلك لأجْلِ سببٍ معلوم، فمِن أجلِه لم يستردَّ صلى الله عليه وسلم درعَه منه: عن عائشة ل: «أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم اشترى من يهوديٍّ طعاماً إلى سَنَة، ورهَنه درعاً له من حديد»)([5]).

وعليه: فالنَّبيُّ صلى الله عليه وسلم اشترى طعاماً إلى سَنة، ورهَن درعَه لـمَّا طلب البائع اليهودي الرَّهن، ومات النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم قبل حلول أجلِ البيع.

جاء في الموسوعة الفقهيَّة الكويتيَّة: (يجوز البيع بثمنٍ حالٍّ أو مؤجَّل، إذا كان الأجَل معلوماً، بدليل إطلاق قوله تعالى: ﴿وأَحَلَّ الله البَيعَ﴾ [البقرة:275]، فشمل ما بِيعَ بثمن حالٍّ وما بِيْع بثمن مؤجَّل.

وعن عائشة ل قالت: «اشترى رسول الله صلى الله عليه وسلم من يهوديٍّ طعاماً إلى أجلٍ ورهنَه درعاً من حديد»)([6]).

وفي موضع آخر: (يدلُّ الحديث على مشروعيَّة تأجيل الأثمان، وقد أجمَعَت الأمَّة على ذلك)([7]).

 

السؤال الثَّاني: لماذا اشترى صلى الله عليه وسلم من يهوديٍّ؟ أين ميَاسير الصَّحابة؟

يقول ابن قتيبة في تأويل مختلف الحديث: (وإنَّما رهنَ صلى الله عليه وسلم درعَه عند يهودي لأنَّ اليهود في عصره كانوا يبيعون الطَّعام، ولم يكن المسلمون يبيعونه)([8]).

وجاء في فتح الباري: (قال العلماء: الحكمة في عدوله صلى الله عليه وسلم عن معاملة مياسير الصَّحابة إلى معاملة اليهود إمَّا لبيان الجواز، أو لأنَّهم لم يكن عندهم إذ ذاك طعامٌ فاضل عن حاجة غيرهم، أو خشي أنَّهم لا يأخذون منه ثمناً أو عوضاً، فلم يُرِد صلى الله عليه وسلم التَّضييق عليهم، فإنَّه لا يبعَد أن يكون فيهم إذ ذاك مَن يقدر على ذلك وأكثر منه، فلعلَّه لم يُطلعهم على ذلك، وإنَّما أطلَع عليه من لم يكن موسراً به ممَّن نَقل ذلك. والله أعلم)([9]).

وقال النَّووي في شرحِه على مسلم: (أمَّا اشتراء النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم الطَّعام من اليهوديِّ ورهنه عنده دون الصَّحابة فقيل: فَعَلَه بياناً لجواز ذلك، وقيل: لأنَّه لم يكن هناك طعام فاضِل عن حاجة صحابته إلَّا عنده، وقيل: لأنَّ الصَّحابة لا يأخذون رهنَه ولا يقبضون منه الثَّمن، فعدل إلى معاملة اليهوديِّ لئلَّا يضيِّق على أحدٍ من أصحابه. والله أعلم)([10]).

 

أقول: ولكن هل يحظر علينا التعامل مع اليهود من دون هذه الحادثة؟ أليس هناك عشرات الحوادث غيرها سابقة لها تدلُّ على إباحة التعامل مع أهل الكتاب واليهود؟!

 

هذا، ويُرَدُّ أيضاً بأنَّ الصَّحابة رضي الله عنهم كانوا في الجرف في بَعْثِ أسامة رضي الله عنه، فقد أمر النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم أسامة والصَّحابة بالغزوة في (26 صفر، سنة 11 هجرية)، فلم يبقَ أحد من وجوه الأوَّلين والأنصار إلَّا انتدب في تلك الغزوة، فيهم أبو بكر، وعمر بن الخطَّاب، وأبو عبيدة بن الجرَّاح، وسعد بن أبي وقَّاص، وجميع الصَّحابة رضي الله عنهم، وتوفِّي النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم بعد ستة عشر يوماً من ذلك([11]).

وذَكَر مثل ذلك أيضاً شيخ الإسلام ابن تيميَّة رحمه الله بقوله: (...ولا امتنع أحدٌ من أصحاب أسامة من الخروج معه، وقد ذهب جميعهم معه)([12]).

 

السؤال الثَّالث: أين مؤونة بيته صلى الله عليه وسلم؟ ألم يكن صلى الله عليه وسلم يدَّخر قوت سنَة؟!

أخرج البخاريُّ عن عمر رضي الله عنه: «أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم كان يبيع نخلَ بني النَّضير، ويحبس لأهله قوتَ سنتهم»([13])، وأخرج البخاري أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم عامَلَ خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمرٍ أو زرعٍ، فكان يعطي أزواجه مائة وسقٍ؛ ثمانون وسق تمرٍ، وعشرون وسق شعيرٍ([14]).

نعم، كان صلى الله عليه وسلم يدَّخر قوتَ سنة كما ثَبتَ في الصَّحيح، وكان له صلى الله عليه وسلم سهمُ الخمس سنويَّاً في خيبر الَّتي تُخرِج عشرة آلاف صاع من الشَّعير([15])، والصَّاع وإنْ كان مكيلاً ولكنَّه أصبح بالتَّجربة موزوناً بمقدار (2،35)، أو اثنين كيلو غرام ونصف تقريباً([16]).

والوسَق الواحد يساوي ستِّين صاعاً([17])، ويعني أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم كان يعطي أهلَه بعد فتح خيبر ألفاً ومائتي صاع من شعير.

قال ابن حجر في فتح الباري: (ومع كونه صلى الله عليه وسلم كان يحتَبس قوتَ سنةٍ لعياله فكان في طول السَّنة ربَّما استجرَّه منهم لمن يَرِدُ عليه، ويعوِّضهم عنه، ولذلك مات صلى الله عليه وسلم ودرعه مرهونة على شعير اقترضه قوتاً لأهله)([18]).

وقال في موضعٍ آخر: («وكان صلى الله عليه وسلم ينفِق على أهلِه ويتصدَّق بفضله»، وهذا لا يعارض حديث عائشة رضي الله عنها أنَّه صلى الله عليه وسلم «توفِّي ودرعه مرهونة على شعير»؛ لأنَّه يجمع بينهما بأنَّه صلى الله عليه وسلم كان يدَّخر لأهله قوت سنتهم، ثمَّ في طول السَّنة يحتاج لمن يَطرُقُه إلى إخراج شيء منه، فيُخرِجه، فيحتاج إلى أن يعوِّض من يأخذ منها عِوضه، فلذلك استدان)([19]).

وبنحوه قال النَّووي في شرحه على مسلم: (كان صلى الله عليه وسلم ينفِق على أهله نفقة سنة، أي: يعزل لهم نفقة سنة، ولكنَّه كان ينفقه قبل انقضاء السَّنة في وجوه الخير، فلا تتمُّ عليه السَّنة، ولهذا توفِّي صلى الله عليه وسلم ودرعُه مرهونة على شعير استدانه لأهله)([20]).

 

أقول: وعلى هذا يُحمَل حديث أنس رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول مراراً: «والَّذي نفس محمَّد بيده، ما أصبَح عند آل محمَّد صاع حبٍّ ولا صاع تمر، وإنَّ له يومئذٍ لتسع نسوة»([21]).

 

السُّؤال الرَّابع: لماذا مات النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم ولم يقضِ ما عليه من ذمَم؟

عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال: «كنَّا جلوساً عند النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم إِذْ أُتِيَ بجنازةٍ، فقالوا: صَلِّ عليها، فقال: هل عليه دَيْنٌ؟ قالوا: لا، قال: هل تَرَكَ شيئاً؟ قالوا: لا، فصلَّى عليه، ثمَّ أُتيَ بجنازةٍ أخرى، فقالوا: يا رسولَ الله، صَلِّ عليها، قال: هل تركَ شيئاً؟ قالوا: لا، قال: فهل عليه دَين؟ قالوا: ثلاثةُ دنانير، قال: صَلُّوا على صاحبكم، فقال أبو قتادة: صلِّ عليه -يا رسولَ الله- وعليَّ دَيْنُه، فصلَّى عليه»([22]).

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: «نفسُ المؤمن مُعَلَّقة بِدَينْه حتَّى يُقضَى عنه»([23]).

تشير هذه الأحاديث وأمثالُها إلى ذمِّ أنْ يموت المرء عن دَين لا يَترك له قضاءً، وحاشا لرسول الله صلى الله عليه وسلم أنْ يقع فيما نفَّر النَّاس منه؟

ولابنِ حجر ردٌّ على ذلك بقوله في فتح الباري: (وفي حديث أنس رضي الله عنه عند أحمد: (رهن رسول الله صلى الله عليه وسلم درعاً له عند يهوديٍّ بدينارٍ، فما وجد ما يفتكُّها به حتَّى مات)([24])، وفيه دليلٌ على أنَّ المراد بقوله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «نفس المؤمن مُعَلَّقة بِدَينْه حتَّى يُقضَى عنه»، قيل: هذا محلُّه في غير نفس الأنبياء، فإنَّها لا تكون معلَّقة بدينٍ، فهي خصوصيَّة ([25]).

وقد ذكر ابن الطَّلاع في الأقضية النَّبوية: أنَّ أبا بكر افتكَّ الدِّرع بعد النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، لكن روى ابن سعد([26]) عن جابر رضي الله عنه أنَّ أبا بكر رضي الله عنه قضى عِدَات([27]) النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، وأنَّ عليَّاً قضى ديونه)([28]).

 

أقول: إنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم اشترى بالدَّين نسيئة، ورهْنُ الدِّرع يقوم مقام السَّداد الفعليِّ([29])، ثمَّ إنَّ أجَل السَّداد لم يكن حان عند وفاته صلى الله عليه وسلم كما ذكر ابن حبَّان([30]).

ومما يؤكد قدرته صلى الله عليه وسلم على وفاء ديونه قبيل وفاته ما ورد من عرضه صلى الله عليه وسلم أمواله قبيل وفاته لمن له عليه دين، فعن الفضل بن عبّاسٍ رضي الله عنه قال: أتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يوعك وعكاً شديداً قد عصّب رأسه فقال: «خذ بيدي يا فضل». فأخذت بيده حتّى قعد على المنبر...، وقال: «من قد كنت أخذت له مالاً فهذا مالي فليأخذ منه». فقام رجلٌ فقال (يا رسول الله، إنّ لي عندك ثلاثة دراهم! فقال: «أمّا أنا فلا أكذّب قائلاً، ولا نستحلف على يمينٍ، فيم كانت لك عندي؟». قال: أما تذكر أنّه مرّ بك سائلٌ فأمرتني فأعطيتُه ثلاثة دراهم؟! قال: «أعطه يا فضل»([31]).

فلماذا لم يسترد النبي صلى الله عليه وسلم الدرع يومها، وأين اليهودي، ولماذا لم يطالب بماله؟

 

لطيفة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لَوْ كَانَ لِي مِثْلُ أُحُدٍ ذَهَباً لَسَرَّنِي أَنْ لَا تَمُرَّ عَلَيَّ ثَلَاثُ لَيَالٍ وَعِنْدِي مِنْهُ شَيْءٌ، إلاَّ شَيْئاً أَرْصُدُهُ لِدَيْنٍ»([32]).

يستوقفنا قولُ رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إلاَّ شَيْئاً أَرْصُدُهُ لِدَيْنٍ»، لماذا يرصدُه؟ لماذا لا يقضي دينه ضمن الثَّلاثة أيام الَّتي ذكرَها..؟!

وكأنَّ من الأسس التي أقام صلى الله عليه وسلم عليها سياسته الاقتصادية: (الدَّين لا يُدفع حتَّى يحين أوان سداده أو يَطلُبه صاحبه)، فطالما كنتَ في حِلٍّ من دفعِه فانتفع من المال واستفد من دورته في تجاراتك.

قال ابن حجر في فتح الباري: (وهذا الإرصاد أعمُّ من أن يكون لصاحب دينٍ غائب حتَّى يحضر فيأخذه، أو لأجلِ وفاء دينٍ مؤجَّل حتى يحلَّ فيوفَّى)([33]).

قال ابن بطال في شرحه على البخاري: (في هذا الحديث أنَّ المؤمن لا ينبغي له أن يتمنَّى كثرة المال إلَّا بشريطة أنْ يسلِّطه الله على إنفاقه في طاعته اقتداءً بالنبيِّ صلى الله عليه وسلم في ذلك...، وفيه: أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم كان يكون عليه الدَّين لكثرة مواساته بقوتِه وقوتِ عياله، وإيثاره على نفسه أهلَ الحاجة، والرِّضا بالتقلُّل والصَّبر على خشونة العيش، وهذه سيرة الأنبياء والصالحين، وهذا كلُّه يدل على أنَّ فضل المال في إنفاقه في سبيل الله لا في إمساكه وادّخاره)([34]).

 

وعليه: يتبيَّن لماذا مات صلى الله عليه وسلم ودرعه مرهونة عند يهودي بدينٍ لم يحِن أوان سداده.

 

حادثة «رهن الدِّرع»: إكرام ضيفٍ في ليل حربٍ، لا افتقار نبيٍّ ليهوديّ!

قال القرطبيُّ في تفسيره: (مسألة: قال بعض النَّاس: سبب نزول هذه الآية: ﴿وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه:131] ما رواه أبو رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: نزل ضيفٌ برسول الله صلى الله عليه وسلم، فأرسلَني عليه السَّلام إلى رجلٍ من اليهود، وقال: قل له: يقول لك محمَّد: نَزَل بنا ضيفٌ، ولم يَلْفَ عندنا بعض الَّذي يُصلِحه، فبعني كذا وكذا من الدَّقيق، أو أسلِفني إلى هلال رجب، فقال: لا، إلَّا برهنٍ: قال: فرجعتُ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرتُه فقال: «والله إنِّي لأمينٌ في السَّماء أمينٌ في الأرض، ولو أسلفَني أو باعني لأدَّيت إليه، اذهب بدرعي إليه»([35]). ونزلَت الآية تعزيةً له عن الدُّنيا.

قال ابن عطيَّة([36]): وهذا معترَض أن يكون سبباً؛ لأنَّ السُّورة مكيَّة والقصَّة المذكورة مدنيَّة في آخر عُمُرِ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم؛ لأنَّه مات ودرعه مرهونة عند يهوديٍّ بهذه القصَّة الَّتي ذُكِرَت، وإنَّما الظَّاهر أنَّ الآية متناسقة مع ما قبلها، وذلك أنَّ الله تعالى وبَّخهم على تركِ الاعتبار بالأمم السَّالفة، ثمَّ توعَّدهم بالعذاب المؤجَّل، ثمَّ أمَرَ نبيَّه بالاحتقار لشأنهم، والصَّبر على أقوالهم، والإعراض عن أموالهم وما في أيديهم من الدُّنيا؛ إذ ذلك منصرمٌ عنهم صائرٌ إلى خزي)([37]).

وقال في موضع آخر: (وقد رهن النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم درعَه عند يهوديٍّ طلبَ منه سلَفَ الشَّعير فقال: إنَّما يريد محمَّد أن يذهب بمالي‏،‏ فقال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم:‏ «كذَبَ، إنِّي لأمينٌ في الأرض أمينٌ في السَّماء، ولو ائتمنَني لأدَّيت، اذهبوا إليه بدرعي»‏،‏ فمات صلى الله عليه وسلم ودرعُه مرهونة)([38]).

وفي الكشَّاف عن أبي رافع رضي الله عنه قال: (بعثَني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يهوديٍّ وقال: «قل له: يقول لك رسول الله صلى الله عليه وسلم أقرضني إلى رجب»، فقال: والله لا أُقرِضه إلَّا برهن، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنِّي لأمينٌ في السَّماء، وإنِّي لأمينٌ في الأرض، احمِل إليه درعي الحديد»، فنزلت: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى ۝ وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [طه:131-132])([39]).

وأخرج البزَّار وأبو يعلى عن أبي رافعٍ رضي الله عنه قال: (أضافَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ضيفاً، فلم يلقَ عند النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ما يُصلِحه، فأرسل إلى رجلٍ من اليهود، يقول لك محمَّدٌ صلى الله عليه وسلم: «أسلِفني دقيقاً إلى هلال رجب»، قال: لا، إلَّا برهنٍ، فأتيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرتُه)([40])‏.‏

وبالوقوف على هذه الأدلَّة يتبيَّن للباحث ما غاب من تفاصيل حادثة رهن الدِّرع في حديث البخاريِّ ومسلم.

 

كانت الدِّرع في زمن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم تُستَخدم كسلعة تجاريَّة، وليست أداة حربية وحسب.

ومن الأمثلة الدالَّة على ذلك:

- ما أخرج أبو داود والنَّسائي من حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال: لما تزوَّج عليٌّ فاطمة رضي الله عنهما قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أعطها شيئاً»، قال: ما عندي، قال: «فأين درعك الحَطميَّة». زاد النَّسائي في رواية: (قلت: هي عندي، قال: «فأعطها إياه»)([41]).

- وعن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه قال: (خطبتُ إلى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ابنته فاطمة، قال: فباع عليٌّ رضي الله عنه درعاً له وبعض ما باع من متاعه، فبلغ أربعمائة وثمانين درهماً، وأمر النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم أنْ يجعل ثلثيه في الطِّيب وثلثاً في الثِّياب، ومجَّ في جرَّة من ماء، فأمرهم أن يغتسلوا به، قال: وأمرها أنْ لا تسبقه برضاع ولدها، قال فسبَقَته برضاع الحسين، وأما الحسن فإنه صلى الله عليه وسلم وضع في فيه شيئاً لا ندري ما هو، فكان أعلم الرَّجلين)([42]).

- وخطب رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش على مولاه زيد بن حارثة ب، فأبَت وأبى أخوها عبد الله، فنزلت: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى الله وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب:36] فقالا: رضينا برسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنكحَها إيَّاه، وساق إليها مهرَها: ستِّين درهماً، وخماراً، وملحفة، ودرعاً، وإزاراً، وخمسين مدَّاً من طعام، وثلاثين صاعاً من تمر)([43]).

- وأخرج البخاريُّ من حديث أبي قتادة رضي الله عنه قال: (خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام حُنين، فأعطاني درعاً، فبعتُ الدِّرع، فابتعتُ به مخرفاً في بني سلمة، فإنه لأول مالٍ تأثَّلته في الإسلام)([44]).

 

أقول: فقوله عن الدِّرع (مال) يُسفِر عمَّا كان يفيد الدِّرعُ يومئذٍ.

قال ابن حجر في فتح الباري: (وفي الحديث ثبوتُ أملاك أهل الذِّمَّة في أيديهم، وجواز الشِّراء بالثَّمن المؤجَّل، واتِّخاذ الدُّروع والعُدد وغيرها من آلات الحرب، وأنَّه غير قادحٍ في التوكل، وأنَّ قنية آلة الحرب لا تدلُّ على تحبيسها)([45]).

وقيل: (إن في وضع درعه صلى الله عليه وسلم عند يهودي تشريع بجواز وضع السلاح عند اليهود؛ لأن هذا اليهودي ليس بحربي، أي: مستأمن).

وهذا يحرض تساؤلاً: إذا كان هذا اليهودي لم يَقبل أن يُعطي النبي صلى الله عليه وسلم شعيراً بدينار دون أن يأخذ رهانه، فأي مواطن هذا وأي مستأمَن؟

وإذا كان الأمر بشعير قيمته دينار -حسب رواية أنس- أما كان يرضى هذا اليهودي بشيء غير الدرع؟ أم أنّ هذا اليهودي من اللؤم بمكان أن لا يستأمن النبي صلى الله عليه وسلم على دينار؟!

لذلك أجد أنَّ جَعْل هذه الحادثة دليلاً على جواز وضع السلاح لا تؤيدها مقاصد الشريعة، ولا سيرة النبي صلى الله عليه وسلم الذي خبر اليهود وأجلاهم لخيانتهم المستمرة، فهل كان هذا اليهودي بدعاً من اليهود؟

 

لماذا طلب اليهودي القيمة ولم يثق بالنبي صلى الله عليه وسلم؛ وهو الأمين قبل البعثة وبعدها؟

ذلك لأن اليهود يعرفون في تاريخهم أن موسى عليه السلام لما خرج بقومه فاراً من فرعون كانت بعض النساء قد أخذن حليَّ نساء بني فرعون ولم يعيدوه، لذهابهم مع موسى عليه السلام اضطراراً([46])، فظن اليهودي أبو الشحم أن ذلك سيتكرر مع النبي صلى الله عليه وسلم بسبب فراغ المدينة من الرجال والتوجه للحرب.

فالأيام أيام حرب والجيش يعد لملاقاة الروم بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجاره يعرف عن أمانته الكثير.

 

الحديث دليلُ ثراءٍ لا دليلُ فقر، فقيمة الدرع تساوي ثمانية وأربعين ضعفاً:

أخرج الطبراني عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: (أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم حِينَ زَوَّجَ عَلِيّاً فَاطِمَةَ رضي الله عنهما قَالَ: «يَا عَلِيُّ، لَا تَدْخُلْ عَلَى أَهْلِكَ حَتَّى تُقَدِّمَ لَهُمْ شَيْئاً» فَقَالَ: مَا لِي شَيْءٌ يَا رَسُولَ الله، فَقَالَ: «أَعْطِهَا دِرْعَكَ الْحُطَمِيَّةَ» قَالَ ابْنُ أَبِي رَوَّادٍ: قَالَ أَبِي: فَقَوَّمْتُ الدِّرْعَ أَرْبَعَمِائَةٍ وَثَمَانِينَ دِرْهَماً)([47]).

فهذا الحديث يوضح ثمن الدرع في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، ويذكر أنس رضي الله عنه في الحديث الذي أخرجه ابن حبان أن قيمة الشعير كانت ديناراً، فعنه رضي الله عنه قال: «رَهَنَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم دِرْعاً لَهُ عِنْدَ يَهُودِيٍّ ِدِينَارٍ..»([48]).

ولما كان الدينار يساوي عشرة دراهم، فقد رهن النبي صلى الله عليه وسلم درعه الذي يساوي 48 ضعف عن قيمة المرهون، وهذا دليل ثراء لا دليل افتقار!

 

ما يؤخذ اليوم من رهن الدرع: اتِّهام للنبي صلى الله عليه وسلم بما يسيء إليه من حيث يراد مدحه:

عندما نذكر أنه صلى الله عليه وسلم رهن درعه بشعير لأهله نؤكد على وجوب رد ما أخجَلُ من ذكره من اتهامات، ولولا المناسبة هنا ما ذكرتها، يقولون:

 

- أما كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم رؤية اقتصادية سليمة؟ فهو يتصدق على الناس وينسى نفسه وأهله بدعوى الزهد وطلب ما عند الله من الدار الآخرة!!

حاشا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك، فهو الذي كان يدَّخر لأهله قوتَ سنَتهم، ويَقسم لأزواجه، ويترك لهن أوقافاً...، وقد تقدم بيان ذلك.

 

- يستدين صلى الله عليه وسلم من عدوه لئلاَّ يحرج أصحابه:

وأي عار أكبر على أصحابه وأمَّته -الذين يفدونه بأرواحهم، ونحن منهم- من أن يستدين نبيُّنا صلى الله عليه وسلم من اليهود الغادرين، ثم إنه صلوات ربي عليه كثيراً ما عامل أصحابه نقداً وسلفاً، ومنهم أبو بكر رضي الله عنه عند الهجرة وشراء أرض المسجد، وكان ذلك أكثر بكثير من دينار! فهل توقف الأمر على دينار؟!

 

- يبلِّغ الناس آيات الله ولا يطبقها!!

يأمر الله أن لا يبسط المنفق يده كلَّ البسط، ولكن الحديث يثبت عدم التزامه صلى الله عليه وسلم بذلك حتى مات مديناً.

يأمر الله تعالى أن تكون النفقة من بعض المال لا كلِّه، ولكن الحديث يذكر أنه صلى الله عليه وسلم لم يُبقِ شيئاً حتى اضطر لرهن درعه.

يأمر الله بأن تكون العزة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، ولكن الحديث يجعل العزة ليهودي بثلاثة أمور:

  1. نبي الإسلام يستدين من أجل إطعام أهله.
  2. ويرهن يهودياً درعه الذي هو رمز المقاتل.
  3. ويجعل لليهودي اللئيم ذكراً حتى يومنا هذا!!
  • يأمر النبي صلى الله عليه وسلم الناس بأمر، ويذكر الحديث أنَّه لم يفعله!!
  • يأمر صلى الله عليه وسلم بأن يدع الرجل ورثته أغنياء ثم يترك أهلَه فقراء، بل وعليهم دين لم يسدَّد.
  • لا يصلي على مَدين لم يترك ما يسدُّ دَينه... ثم يموت مديناً لا يجد ما يفتك درعه([49])!!

عذراً رسول الله، فهذا جزء مما يقال عن نبينا صلى الله عليه وسلم، وهذه شبهات أورَدها أعداء الدين، وكنا سبباً في إيرادها، ظانين أننا نمدح نبينا صلى الله عليه وسلم، ونعلي مقامه كلما أظهرنا فقرَه وحاجته!!!

 

الخلاصة:

لا يدلُّ هذا الحديث على فقرِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم لعدَّة أسباب، هي:

- أوَّلاً: لم يَمُت النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم مديناً، وإنَّما اشترى سلعةً إلى أجل، وتوفِّي قبل أوان سداد الثَّمن، ورهْنُ الدِّرع يقوم مقام السَّداد الفعليِّ.

- ثانياً: حديث (رهن الدرع) إكرام ضيفٍ في ليل حرب لا افتقار نبيٍّ ليهودي! فقد ثبتَ أنَّه صلى الله عليه وسلم كان يدَّخر قوت سَنة، ثمَّ في طول السَّنة يحتاج -لمن يَطرُقُه- إلى إخراج شيء منه، فيُخرِجه، فيحتاج إلى أن يعوِّض عِوضه لأهله.

- ثالثاً: كانت الدِّرع في زمن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم تُستخدَم كسلعةٍ تجاريَّة، وليست حبساً على الحروب.

 

*     *     *

 

 


([1]) هذا المقال مأخوذ من كتاب "أموال النبي" للدكتور عبد الفتاح السمان، وفي الكتاب إجابات حول معظم التساؤلات التي ترد في موضوع غنى النبي صلى الله عليه وسلم وفقره، ومصارف أمواله ومواردها..

([2]) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الجهاد والسيـر، باب ما قيـل في درع النبي صلى الله عليه وسلم والقميص في الحرب، رقم (2916)، والنسائي في سننه: كتاب البيوع، باب مبايعة أهل الكتاب، رقم (4651)، والترمذي في جامعه: كتاب البيوع، باب الرخصة في الشراء إلى أجل، رقم (1214).

([3]) وقد ورد هذا الحديث بروايات متعددة بألفاظ متقاربة: فقد أخرج الإمام البخاري في رهن الدرع أحد عشر رواية، وأخرج الإمام مسلم فيه ثلاث روايات، وأخرج الإمام الترمذي فيه روايتان، وأخرج الإمام النسائي فيه أربع روايات، وأخرج الإمام ابن ماجه فيه أربع روايات، وأخرج الإمام أحمد فيه أحد عشر رواية، وأخرج الإمام الدارمي فيه رواية واحدة. يقول الدكتور يوسف القرضاوي: (الحديث متّفقٌ على صحّته، ولم يطعن فيه أحدٌ من قبل فيما أعلم، ولو طعن فطعنه مردود).

 قال الإمام النووي رحمه الله: (اتّفق العلماء رحمهم الله: على أن أصحَّ الكتب بعد القرآن العزيز: الصحيحان؛ البخاري ومسلم، وتلقّتهما الأمة بالقبول).

([4]) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب البيوع، باب شراء الحوائج بنفسه، رقم (2096)، ومسلم في صحيحه: كتاب المساقاة، باب الرهن وجوازه في الحضر، رقم (4198).

([5]) صحيح ابن حبان [24/416].

([6]) الموسوعة الفقهية الكويتية [16/37].

([7]) المصدر السابق [2/22].

([8]) يُنظر: [تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة (ص135)].

([9]) فتح الباري لابن حجر [17/197].

([10]) المنهاج شرح صحيح مسلم للنووي [5/478].

([11]) يُنظر: [الطبقات الكبرى لابن سعد 2/189].

([12]) يُنظر: [منهاج السنة لابن تيمية 6/318-319].

([13]) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب النفقات، باب حبس نفقة الرجل قوت سنة على أهله، رقم (5357).

([14]) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب المزارعة، باب المزارعة بالشطر ونحوه، رقم (2328)، ومسلم في صحيحه: كتاب المساقاة، باب المساقاة والمعاملة بجزء من الثمر والزرع، رقم (4045).

([15]) يُنظر: [المغازي للواقدي 2/693، إمتاع الأسماع بما للنبي صلى الله عليه وسلم من الأحوال والأموال والحفدة والمتاع للمقريزي 9/281].

([16]) الصاع الشرعي: (2،75) لتراً، أو (2176) غم، وهو رأي الشافعي وفقهاء الحجاز والصاحبين، وعند أبي حنيفة وفقهاء العراق: (3800غم). وفي تقدير آخر هو الشائع أن الصاع (2751غم)، ينظر: [الفقه الإسلامي وأدلته للدكتور وهبة الزحيلي 1/119].

([17]) الوَسْق: (60) صاعاً، والخمسة أوسق نصاب الزكاة: (300) صاعاً أو (653) كغ على رأي الجمهور غير أبي حنيفة. ينظر: [المصدر السابق 1/119].

([18]) فتح الباري لابن حجر [15/214].

([19]) المرجع ذاته [9/346].

([20]) المنهاج للنووي [6/206].

([21]) أخرجه الترمذي في جامعه: كتاب البيوع، باب ما جاء في الرخصة في الشراء إلى أجل، رقم (1215)، وابن ماجه في سننه: كتاب الزهد، باب معيشة آل محمد صلى الله عليه وسلم، رقم (4147)، وأحمد في مسنده [3/238]، وأبو يعلى في مسنده [5/393]، والطبراني في المعجم الأوسط [8/359]، والبيهقي في السنن الكبرى [6/36].

([22]) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الحوالات، باب إن أحالَ دينَ الميت على رجلٍ جاز، رقم (2289)، والنسائي في سننه: كتاب الجنائز، باب الصلاة على مَن عليه دين، رقم (1961).

([23]) أخرجه الترمذي في جامعه: كتاب الجنائز، باب ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه»، رقم (1078)، وابن ماجه في سننه: كتاب الصدقات، باب التشديد في الدين، رقم (2413).

([24]) أخرجه ابن حبان في صحيحه [13/263]، وأحمد في مسنده [3/238]، وأبو يعلى في مسنده [7/80].

([25]) لكن هذا القول ضعيف؛ لأن ابن حجر ذكره بصيغة التضعيف: (قيل).

([26]) ينظر: [الطبقات الكبرى لابن سعد 1/243].

([27]) والعِدَة: الوعد، والهاء عوضٌ من الواو؛ ويجمع على عداتٍ. يُنظر: [لسان العرب لابن منظور، مادة: وعد 3/461].

أقول: العدات إذاً وعود إكرام وتشجيع من النبي صلى الله عليه وسلم لأفراد لم يحقِّقها لهم في حياته، كوعده لسراقة بن مالك رضي الله عنه بسواري كسرى الذي أنفذه عمر بن الخطاب رضي الله عنه، على أنها ليست من باب الديون الشخصية على ذاته الشريفة.

([28]) فتح الباري لابن حجر [7/461].

([29]) جاء في الموسوعة الفقهية الكويتية [7/218]: (شُرعَ الرّهن لتوثيق الالتزامات؛ لأنّه احتباس العين ليُستَوفَى الحقّ من ثمنها، أو من ثمن منافعها عند تعذّر أخذه من الغريم. والأصل في مشروعيّته قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِباً فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة:283]. وروي أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم: «اشترى طعاماً من يهوديٍّ إلى أجلٍ، ورهنه درعاً من حديدٍ»).

([30]) تقدم ذكر ذلك قريباً.

([31]) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير [1/281]، والمعجم الأوسط: [3/104]، والبيهقي في السنن الكبرى [6/74]، والحديث يستأنس به وإن كان ضعيفاً.

([32]) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الرِّقاق، باب قول النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: «مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَباً»، رقم (6080)، ومسلم في صحيحه: كتاب الزَّكاة، باب تغليظ عقوبة من لا يؤدى الزكاة، رقم (991).

([33]) فتح الباري لابن حجر [11/265]

([34]) شرح البخاري لابن بطال [10/164]

([35]) يُنظر: [تفسير القرآن العظيم لابن كثير 4/548، وتفسير الدر المنثور للسيوطي 4/313، والمعجم الكبير للطبراني 1/331، ومسند البزار 9/315، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد 4/126: (فيه موسى بن عبيدة الربذي، وهو ضعيف)].

([36]) في المحرر الوجيز [4/434]، وعزاه للقاضي أبي محمد.

([37]) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي [11/262].

([38]) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي [3/407].

([39]) الكشاف للزمخشري [3/99].

 ([40]) قال الزيلعي في كتابه تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في تفسير الكشاف للزمخشري [2/355]: (رواه ابن أبي شيبة وعنه أبو يعلى الموصلي وإسحاق بن راهويه والبزّار في مسانيدهم كذلك سنداً ومتناً، وزادوا فيه: «اذهب بدرعي الحديد إليه»، وكذلك رواه الطّبريّ وابن مردويه في تفسيره والواحدي في أسباب النّزول، وسكت البزّار عنه). قلت: وأخرجه الطبراني في المعجم الكبير [1/331].

([41]) أخرجه أبو داود في سننه: كتاب النكاح، باب الرجل يدخل في امرأته قبل أن ينقدها شيئاً، رقم (2127)، والنسائي في سننه: كتاب النكاح، باب تحلة الخلوة، رقم (3388).

([42]) أخرجه أبو يعلى في مسنده [1/341]، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد [4/167]: (رجاله ثقات).

([43]) السيرة الحلبية لعلي بن برهان الدين الحلبي [3/448]، والكشاف للزمخشري [5/328].

([44]) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب البيوع، باب السهولة والسماحة في الشراء والبيع، رقم (1994).

([45]) فتح الباري لابن حجر [7/460].

والمعنى: أن اتخاذ آلة الحرب (الدرع هنا) لا يدل على وقفها على من اشتراها بأن لا تباع ولا توهب ولا تورث، بل له بَيعُها وهِبَتُها وتوريثها، وكذا لا توقف على القتال فحسب، بل تعامَل معاملة باقي الأدوات والسِّلَع والأموال.

 ([46]) لمزيد عن قصة موسى عليه السلام والحلي، ينظر في كتب التفاسير قوله تعالى: ﴿قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَاراً مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ﴾ [طه: 87].

([47]) المعجم الأوسط [3/184].

([48]) أخرجه ابن حبان في صحيحه [13/263].

([49]) إشارة لحديث ابن حبان عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه، قَالَ: «رَهَنَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم دِرْعاً لَهُ عِنْدَ يَهُودِيٍّ بِدِينَارٍ، فَمَا وَجَدَ مَا يَفْتَكُّهَا بِهِ حَتَّى مَاتَ»، وهذا حديث صحيح، غير أنه معارض لعامة ما صحَّ من الأحاديث غيره، ولا بد من دراسة حديثية عميقة لحل أمثال هذه التعارضات.