الحمد لله رب العالمين، الذي هدانا للإيمان، وأكمل لنا الدين والإسلام، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم، الرحمة المهداة، الذي أرسله الله تعالى رحمة للعالمين، وأسوة للناس أجمعين، فأدى الأمانة، ونصَحَ الأمة، وجاهَدَ في الله حقَّ جهادِه، ثم لحق بالرفيق الأعلى راضياً مرضياً، وقد تَرك الأمة على محجَّة بيضاء: ليلُها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالِك، ورضي الله عن الآل والأصحاب، وبعد:

فإن من يسمع معظم التوجيه الديني، والوعظ والإرشاد، والدروس والخطب، وما يَشيع في ردهات بعض العلماء، وبين بعض الدعاة والوعَّاظ، يجد حصر السِّيرَة النَّبويَّة في جانب الفقر والحاجة، والضيق والعسر في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقرن ذلك بالزهد والتقلُّل من الدنيا، والإعراض عن متاعها، وتجنُّب المال ما أَمكَن، ومنع الادِّخار، وكأن الأموال من زينة الحياة الدنيا التي يُفضَّل تَركُها، وعدم التعلق بها، وقد يزيد بعضهم ما يُفهم خطأً عن التوكل على الله تعالى، وأن الرزق مقدَّر، ويجب التسليم للقضاء والقدر...

وذكَر أكثر المؤلفين والوعَّاظ والدعاة جانباً من السِّيرَة النَّبويَّة في الشؤون المالية، وأغفَلوا الجانب الآخر في الملك والغنى والسَّعة والعطاء والكَرم، مع أن الجميع ثابت ومدوَّن في كتب السُّنَّة والسِّيرة والتراجم وحياة الصحابة وغيرها، ويَندر وجود بحث -وخاصة اليوم- عن الجانب المالي والشؤون المالية الخاصة برسول الله صلى الله عليه وسلم في التملُّك والكَسْب والإنفاق والصدقة والوقف.

 وكثيراً ما يقع القارئ والسامع في التناقض في أمور كثيرة؛ فالنَّبيّ صلى الله عليه وسلم فقير، ثمّ هو يستعيذ من الفقر الذي يكاد أن يكون كفراً، والرسول صلى الله عليه وسلم يدعو أن يكون مسكيناً بما يُرادف الفقر، مع أن الفقر والمسكنة من أول أسباب استحقاق الزكاة التي حُرِّمت عليه وعلى أهل بيته، وهو يقرِّر أن اليد العليا خيرٌ من اليد السفلى، وثبت أنَّه كان أجود بالخير من الرِّيح المرسلة، وأنَّ الآيات الكريمة وصَفَت الأنبياء والرُّسل بالاصطفاء والكفاية وعدم السؤال أو أخذ الأجر على القيام بالدعوة.

كما يتكرَّر طلب الابتعاد عن زينة الحياة الدنيا، مع وجود الآيات الكثيرة التي تأمر بالأخذ بها، وأن الله تعالى سخّرها لعباده جميعاً في الدنيا، وجعلها خالصة للمؤمنين في الآخرة، قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ الله الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:32]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ الله لَكُمْ﴾ [المائدة:87].

ويقولون: إنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم كان عالةً على مال خديجة ل، مع أنه يوجِب على الزوج النفقة، وأن القوامة للرجل؛ لأنَّ أحد أسبابها الإنفاق!

ويكررون أن النَّبي صلى الله عليه وسلم كان يربط على بطنه الحجر من الجوع، ولم يشبع يومين من الخبز، ويخرج من بيته هائماً من الجوع، فأين أمواله، وكسْبُه، وتجارته، وما كان يستحقه من الأنفال والفيء والغنائم؟!

وإذا كانت خديجة ل بهذا الغنى والثراء والترف، فأين ذهبَت أموالُها في حياتها وبعد وفاتها؟!

 هذه الإشكاليات والتناقضات توجِب البحث عن كشف الحقيقة، وإزالة اللبس، والتوفيق بين الأقوال، وتعيين المراد من الأخبار، وبيان الظروف الخاصة بكل حالة، وشرح حقيقة الدين والإسلام والشريعة، وهو ما نلخِّصه فيما يأتي:

إن الإسلام عقيدة وعبادة، وسلوك وشريعة، وهي مترابطة مع بعضها، ويكمِّل بعضها الآخر، ولا تقبل التبعيض في التطبيق، ولا التجزئة في السلوك، وإلا أصابها العوار، والخلل، والتشويه، وسوء المخبر والمنظر، واعتراها الاضطراب والشك، بل وسوء النتائج، وهو ما نشاهد بعضه اليوم في العالم الإسلامي، وفي حياة معظم المسلمين.

إن شريعة الله كاملة وشاملة لجميع شؤون الحياة، ولكلِّ ما يقع فيها ويدور في فلكها، فلكل حركة حُكم شرعيّ، وخاصة تصرفات الإنسان التي يحكمها شرع الله تعالى في كل كبيرة وصغيرة، ليبقى المؤمن تحت ظلال الشرع الحنيف، وضمن حدوده، وتحت خيمته، ليسعد في الدنيا، ويقدم الخير للفوز في الآخرة.

إن المالَ شقيقُ الروح، وعصبُ الحياة، وشاغل الناس، ويسعون في الليل والنهار لكسبه وإنفاقه، ويعملون في الدنيا لنيله والتمتع به، والانتفاع بخيره وثرواته، وكان العامل الرئيس للحروب في القديم والحديث، وهو المحور الاقتصادي الأول الذي تقوم عليه الدول في العصر الحاضر، وتُقسَّم على أساسه التكتلات الدولية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية، وصنِّفت الطبقات بناءً على تقديره.

إنَّ المالَ في الإسلام أحدُ مقاصد الشريعة، وأحد الضروريات الخمس التي جاء الشرع لإيجادها وتأمينها، ولحفظها ورعايتها وتنظيمها، ولصيانتها ومنع الاعتداء عليها أو التعرض لها، وفرض العقوبات عند الإخلال بها، وهي حفظ الدين، وحفظ النفس، وحفظ العقل، وحفظ النسل أو العرض أو النسب، وحفظ المال، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قُتِل دون ماله فهو شهيد»(1).

جاءت الأحكام الشرعية في المال كثيرة وعديدة، ومتنوعة ومتفاوتة، لتلبي حاجات البشرية، وتغطي جميع ما يتطلبه التعامل في المعاملات المالية، وأصلها في القرآن الكريم؛ مجملة أحياناً، ومفصلة أحياناً، وبيَّنَتْها السُّنَّة النبوية، وبقي باب الاجتهاد مفتوحاً أمامها حسب التطورات والمستجدات والوقائع الطارئة، وما تخبئه قادمات الأيام إلى قيام الساعة، وظهَرَ اصطلاح: "الأموال"، واصطلاح: "المعاملات المالية" قديماً، وعُرف اليوم بعنوان: "الاقتصاد"؛ الذي ينظم الشؤون المالية للفرد، والأسرة، والجماعة، والمؤسسات، والشركات، وميزانية الدول وسياستها المالية، واتفاقيات الدول، والمعاهدات العالمية.

انفردَت الدَّولة الإسلامية منذ تأسيسها باصطلاح: "بيت المال"؛ الذي يضمّ خزينة الدولة في وارداتها، وسُبُل كسْبِها، وينظم نفقاتها، ومنهج الصرف منها، واستمر ذلك طوال التاريخ الإسلامي.

 وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أول من أرسى قواعدَه وبنيانَه، وشيَّد أركانه، ثم جاء عمر بن الخطاب رضي الله عنه فنظَّمه خيرَ تنظيمٍ وطوَّره، وسارت عليه الدولة الإسلامية حتى نهاية الخلافة، مع الاختلاف والتفاوت النِّسبي في التطبيق حسب الأزمان والأماكن، وحسب الالتزام الدقيق بالأحكام الشرعية، أو الميل والانحراف عن بعضها.

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم من قريش، وهي أفضل القبائل العربية، وأعلاها يداً وشأناً، وأغناها مالاً، ووُلِد صلى الله عليه وسلم في مكة المكرمة التي اشتهرت بالتجارة، وعَرَفت رحلتي الشتاء والصيف، وتُحمَل لها خيرات الدُّنيا، ونشأ صلى الله عليه وسلم وتربى كسائر الناس، كما قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الكهف:110]، وتحمَّل صلى الله عليه وسلم أعباء الحياة بحلوها ومُرِّها، وتزوَّج، وأَنجَب، وأقام أسرةً، ورعاها، ثم أصبَح نبياً ورسولاً، ثم صار رئيسَ دولة في المدينة المنورة، وأحبَّه المسلمون، ثم تبِعَه الملايين في العالم، والتزَموا هدْيَه الشريف وسيرتَه العطرة، وجعلوه نبراساً، وأسوةً، وقدوةً، ومثلاً أعلى.

إن الصورة الجزئية عن السِّيرَة النَّبويَّة وحياة الرسول صلى الله عليه وسلم استغلَّها بعضُ المستشرقين وأتباعهم من ضعاف الإيمان والعلم لتشويه السيرة، وتوجيه الافتراءات الباطلة حولها، ونَشْرِ الأكاذيب عن بعض جوانبها؛ للطَّعن في الإسلام، وإثارة الخلل في أحكامه الشرعية، وإبعاده عن كونه صالحاً للعمل به، ومَنْعِ الاقتداء بالسِّيرَة النَّبويَّة، والعمل بهديها، وسار بعض الناس في هذا الفلك عن حسن نيَّة، أو قلة علم(1).

لقد أغفل الكثيرون الجانب الآخر من سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما ورثه(2)، وفي الملك والغنى، والسَّعة والعطاء، والكرم والجود، والبذلِ والإنفاق، وأسدلوا السِّتار على موارد النبي صلى الله عليه وسلم، وكسبِه للرزق والأموال في صباه ومراهقته وشبابه، ثم تجارته، ثم موارده الخاصة بعد الهجرة والجهاد، وأغفلوا إنفاقَه وعطاءه، وغناه ويُسره، وصدقاته التي وقفها في حياته، وأوصى بنظارتها بعد موته، وأنه كان أجود بالخير من الريح المرسَلة، وأنه أنفق على نفسه مِن كَسْبِ جبينه، ولم يعتمد على غيره، وتكفَّل بمؤنة زواجه، ونفقات زوجاته وأولاده، وعلى ما يحتاجه في شؤون حياته، وعلى هجرته، وعلى مواليه وخدَمه، وعلى المسلمين، بل حتى على المنافقين وغير المسلمين، مما يدلُّ على ثرائه وسَعة ذات يده، وقام بواجب إطعام الضيوف والوفود، وعلى مبيتهم وجوائزهم، وهداياهم، وعلى المؤلَّفة قلوبهم، والإثابة على الهدايا التي تقدَّم إليه من أصحابه وأعدائه والملوك والرؤساء الذين تواصلوا معه، فالعاقل يجود مما في يده ومن مُلكِه، ولا يكون كَلاً ولا عالةً على غيره، وخاصة من كان في مكانة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومنزلته، ولم يذكر أحدٌ من المؤرخين أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يُنفِق من مال غيره.

مع أن جميع ما أشَرنا إليه ثابتٌ ومدوَّن، وبعضُه منصوصٌ عليه في القرآن الكريم، قال الله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى﴾ [الضحى:8]، فالله تعالى أغناه، وقال تعالى: ﴿قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [الأنفال:1]، وقال تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ الله عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الحشر:7]، وورد أكثر من ذلك في كتب السُّنة الشريفة والسِّيرَة النَّبويَّة، وفي كتب حياة الصحابة وتاريخ البعثة المحمدية.

لقد وقع الخلطُ الشديد بين الزهد المطلوب شرعاً بعدَم التعلُّق بالدنيا، وعدم تقديس المال، وأن يكون المال في اليد، وليس في القلب، ودون أن يسيطر المال على الذهن والعقل، أو يُعَدَّ الأساس والمعيار والميزان في الحياة، أو يُقدَّم على ما سواه، فكل ذلك مذموم، بل المسلم يملك المال ويزهد فيه، فالفقير والمعدَم لا يسمّى زاهداً؛ لأنه لا يملك المال أصلاً.

 كما وقع الخلط السَّيِّئ بين التواكل المذموم شرعاً وعقلاً؛ لأنه يعتمد على الكسل وترك العمل، وبين التوكل المطلوب شرعاً، وهو أداء العمل مع حُسنِ الظنِّ بالله تعالى، والاعتماد في النتائج عليه، وأنه هو الرازق، والمتصرف في الكون، والعالم لما في الغيب، وما هو الأصلح للعباد.

إن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو القدوة للمؤمنين، والأسوة للمسلمين، وهو المثل الأعلى، ليس في العبادة فحسب، أو في الأخلاق، أو في حُسنِ المعاملة، أو في الجهاد والدعوة...، بل هو أيضاً المثَل الأعلى في جميع جوانب الحياة إلا ما ورد فيه دليل أنه خاص به، وهو قليل(1).

فالرسول صلى الله عليه وسلم هو المثل الأعلى في العمل والكسب؛ فرعَى الغنم كسائر الأنبياء، ثم مارَس النشاط في التجارة التي اشتَهر بها أهلُ مكة في الجاهلية، حتى بلغَ القدح المعلى، وصار خبيراً بها، ولذلك اختارَته خديجة ل في تجارتها لخِبرَتِه وسُمعته، ثم تابَع صلى الله عليه وسلم السَّعي والتِّجارة والعمل بعد زواجه.

والرسول صلى الله عليه وسلم هو المثل الأعلى زوجاً، فتزوج -على فترات متعدِّدة- أكثر من ثلاث عشرة امرأة، وقدَّم المهر لكلٍّ منهن، وأقام حفل الزفاف، وقدَّم الذبائح والولائم لكل منهنَّ، وهو ما دعا إليه أصحابه أيضاً، وخصَّص لكل منهنَّ بيتاً من أمواله، وكان يُؤمِّن لهن النفقة، ويدَّخر لكلٍّ منهنَّ القُوْتَ لِسَنَةٍ كاملةٍ في بيتها، ثم أوقف الأراضي والأموال الطائلة لهنّ، وخصَّص ريْعَ صدقاته وأوقافه لزوجاته وأقاربه بعد وفاته، وخاصة أن زوجاته ممنوعاتٌ من الزواج بَعْدَه، فلا بدَّ أن يتكفَّل بهنَّ، ويؤمِّن لهنَّ مورداً للمعيشة، وهو ما وفَّره رسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته وبعد مماته.

والرسول صلى الله عليه وسلم هو المثل الأعلى في الأبوَّة، ورعاية أولاده، والنفقة عليهم، وتقديم العقيقة لكلٍّ منهم، وتأمين العطاء الكامل لهم، وكفالة الحاجات لكلٍّ منهم.

والرسول صلى الله عليه وسلم هو المثل الأعلى في الأخوَّة والصداقة والمحبَّة والمودة، فكان أخاً كريماً، وصديقاً وفياً، ومُحِباً لغيره ومحبوباً، ودعا إلى التهادي بين الإخوة للتحابُب، ورغَّب بالثواب عليها، وقَبِلَ صلى الله عليه وسلم بعضَ الهدايا، وأثاب عليها بأفضل منها حتى لا يكون لغيره مِنَّة عليه، ولا يكون ذلك مَلْمَزاً ومَطْعَناً في الدعوة بقبول الهدايا دون الثواب عليها، أو استغلال مال الغير لدعوته.

والرسول صلى الله عليه وسلم هو المثل الأعلى في استقبال الضيوف وإكرامهم والقيام بواجبهم، ثم بتقديم العطايا المالية لهم، كما قدَّم الهدايا لوفود الملوك والرسل، وأكرمهم، وخاصة إذا أحضروا معهم هدايا، فيرسِل معَهم ما هو أعظم ثمناً وقيمة.

 والرسول صلى الله عليه وسلم هو المثل الأعلى في رئاسة الدولة، وإدارة بيت مال المسلمين، واستلام موارد بيت المال، والتوجيه لتوزيعها على الجهات المستحقَّة بما يرضي الله تعالى، ويحقِّق مصالح المسلمين والدعوة.

 والرسول صلى الله عليه وسلم هو المثل الأعلى في حسن إدارة الدولة عامة، وتدبير اقتصادها خاصة، فكان يتفقد الأسواق التجارية في المدينة، ثم أرشد صلى الله عليه وسلم لإقامة السوق المناسب للدولة الناشئة، مع متابعة المكاييل والموازين، والتوجيه لأعمال التجارة، ووسائلها وأحكامها المشروعة، والتحذير من مضارِّها ومفاسِدها ومحرَّماتها.

 والرسول صلى الله عليه وسلم هو المثل الأعلى في إدارة بيوته وتنظيم شؤونها المالية، وتأمين القُوْت لها وما تحتاجه، والالتزام بعدم الإسراف من جهة، وعدم البخل والتقتير من جهة أخرى، وهو الذي أرشد إلى فضل الإنفاق على الأهل والعيال، وحُسنِ الرعاية، وأنَّ تركَهم أغنياء خيرٌ من تركِهم فقراء يتكفَّفون النَّاس.

والرسول صلى الله عليه وسلم هو المثل الأعلى في حبس الصَّدقات -وهو الوقف في سبيل الله تعالى، بحبسِ الأصلِ وتسبيلِ المنفعة-، وأن يتمَّ البدء بالإنفاق منها على الأهل والأقارب، فوقَف صلى الله عليه وسلم معظَم ثروته وأملاكه وأراضيه في سبيل الله، وكان ريعُها ودَخْلُها وثمرتُها بعد وفاته صلى الله عليه وسلم لزوجاته التِّسع اللاتي مات عنهنّ، وكان يَحرُم عليهنَّ الزواج بعده، فأباح لهنَّ الانتفاع بذلك، والباقي على آله وأقاربه، ونُظَّار وقفِه، ثمَّ في سبيل الله وأبواب الخير، فكان صلى الله عليه وسلم أوَّل الواقفين في الإسلام، كما أكَّده بعض العلماء(1).

إن الله تعالى اختصَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمصادر ماليَّة خاصة به، ومنها: الفيء، والأنفال، والصَّفي من الغنيمة، وسَهمه من خُمس الغنائم، وبلَغَت في حياته الشريفة أموالاً طائلة من الأراضي والإبل والغنم والخيل والسِّلاح...، وكان ينفقها على نفسه، وأهلِ بيته، وعلى أصحابه، وفي سبيل الدعوة، وكان يُقطِع الأراضي لبعض الصحابة، ويتصدَّق بالوقف ببعضها، ولم يتوسع الفقهاء خاصة في بيان مصادر أموال النبي صلى الله عليه وسلم وموارده وتركته؛ لأنها انتهت بوفاته صلى الله عليه وسلم، ولكن لم تُغفلها الكتب الموسَّعة في السُّنة الشريفة والسِّيرَة النَّبويَّة، وشروح كتب الصِّحاح والسنن، وبيَّن بعض العلماء الأموال التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يملكها في حياته من الدُّور والبيوت والخيل والبغال والسُّيوف...، حتى صنَّف البغدادي / كتاباً بعنوان: "تركة النبي صلى الله عليه وسلم"(1)، وعدَّد بعض مفرداتها ومصيرها، وبيّنها الطبراني أيضاً(2)، وابن ناصر الدمشقي(3)، وذكر بعضها ابن قيِّم الجوزية(4) رحمهم الله تعالى.

نعم، لقد مرَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم -كسائر الناس- في حالات عصيبة ومختلفة طوال حياته، من ضيقٍ وشدَّة، وخاصَّة في حصار الشِّعب بمكة، وبعد الهجرة، وفي فترات طارئة أخرى، وفي أوقات مخصوصة، ولكن كان في معظم الأحوال غنياً وميسوراً، وملَكَ الأموال الطائلة، وخاصة في مكة، ثم بعد الغزوات والسَّرايا والفتوح، وعلى الأخصِّ: بعد غزوة بني النَّضير، وخيبر، وحُنين.

تولَّى رسول الله صلى الله عليه وسلم وفاءَ الديون عن أصحابه إذا ماتوا معسِرين، وقال صلى الله عليه وسلم: «مَن تَرَك مالاً فلِوَرَثَتِه، ومن تَرك كلاً فإلينا»(5)، وفي حديث آخر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من مؤمن إلا وأنا أولى به في الدنيا والآخرة، اقرؤوا إن شئتم: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب:6]، فأيُّما مؤمنٍ مات وتَرَك مالاً فليَرِثْه عصبتُه (قرابته الوارثون) مَن كانوا، ومَن تَرك دَيناً أو ضَياعاً (عيالاً محتاجين يَضيعون إن تُرِكوا) فليأتني، فأنا مولاه»(6)، أي: أنا وليُّ المتوفى، أتولى أمورَه، فأوفي دينه، وأكفَل عياله.

ومع أنَّ الاتجاه العام للوعَّاظ والكتَّاب والباحثين يقتصر على جانب "فقر النبي صلى الله عليه وسلم"؛ فنحمد الله تعالى أنَّ ذلك لم يؤثر على كيان الدَّولة الإسلامية وبيت المال وحياة المسلمين في تاريخهم إلا في جانبٍ ضعيفٍ في الفهم الخاطئ عن القضاء والقدر، وأنَّ الله هو الرزّاق والمغني، مع شيء من الاستسلام والتواكل، أو القبول لواقع سيِّئ عاشوه، فالتمسوا له التعليل والتسويغ بدعوى الاقتداء بفقر النبي صلى الله عليه وسلم، والتأثر بالزهد المستورَد من الشَّرق.

وهذا يؤكد أهميَّة قراءة السِّيرَة النَّبويَّة كاملة، وضرورة دراستها بكل تفاصيلها؛ حتى لا يتورَّط العاقل بالحكم على جزء من الصُّورة، أو يتأثر بجانب من القصة، أو يعمِّم واقعةً خاصة، دون أن يعرف باقي الفصول والوقائع، وخاصة في الشؤون المالية في السِّيرَة النَّبويَّة(1).

كتاب "الاقتصاد النبوي":

إن هذه الإشكالات السَّابقة، والجوانب التي وردت مُغْفَلة وغامضة لدى جماهير المسلمين، ولا يعرفها معظمُهم، وتغيب حتى على المختصِّين بالشريعة، وهذه الصورة الجانبية لسيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تزال مغيَّبة شعبياً، ولا تزال شبهَ مَنسيَّة، وهي مطمورة في بطون الكتب، وجاء الأستاذ عبد الفتاح السَّمَّان -الذي درَّسته قبل عشرين سنة تقريباً-، فاختار لبعضها بحثاً بعنوان: "الاقتصاد النَّبويّ"، ليكون الاقتصاد النَّبوي أسوةً وأنموذجاً في جميع ما يتعلق بأمواله صلى الله عليه وسلم، وعمله، وكسبه، وتعدُّد موارده، وسبل إنفاقه، وأنواع تبرعاته، وصدقاته، في الأمور الشخصية، وفي المجالات العامة.

 وتمتَّعتُ بقراءة الكتاب كاملاً، وشعرتُ بالسَّعادة، وخاصة لأمرين رئيسين:

الأول: أنها تتحدَّث عن السيرة العطِرة لأفضل الخلق، ونبيِّ الأمَّة، وأسوةِ المؤمنين صلى الله عليه وسلم، وكأنَّ القارئ يعاصر تلك الفترة وأحداثَها.

والثاني: أنَّ الكتاب كشف الغطاء عن كثير من المعلومات المستورة، أو غير الشائعة في الفكر الإسلامي، وأنها غير منشورة ولا معروفة لعامة المسلمين، ولكثير من المختصِّين، وعندما كنت أقرأ السِّيرَة النَّبويَّة، وبعض أحاديث الفقر، والدعوة إليه باسم الزهد، كنت أجد في النفس الغضاضة والحسرة والكمد، وأشعر بشيء من التناقض، وتظهر الإشكالات، ولم استطع معرفة السبب حتى جاءت هذه الأطروحة، فأزالت اللثام، وفرَّجت الكربة والغمَّة عن النفس، وحلَّت الإشكال.

وقد بذل المؤلف جهداً طيباً ومباركاً في البحث والاستقراء، وأماط الغموض عن جانب مهمٍّ وكبير من السِّيرَة النَّبويَّة، وهو ما يمثِّل الاقتصاد النبوي الذي يُعَدُّ أصلاً للدولة الإسلامية خلال ثلاثة عشر قرناً، وهو الأساس للاقتصاد الإسلامي في كل زمان ومكان للفرد والأمَّة.

وكان هدف المؤلف التوفيق بين التوجُّه للاقتصاد الإسلامي اليوم لاعتماده في الفكر الاقتصادي الحديث والعالمي، مع تصحيح الصُّورة الموهمة أو الشائعة عن الاقتصاد النبوي بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم -وهو النَّبي الخاتم، والرسول المصطفى، ورئيس الدولة- كان فقيراً، ويدعو للفقر!

وأثبتَ المؤلف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان اقتصادياً بارعاً، وعرض الجانب المغيب من السِّيرَة النَّبويَّة، وردّ على الاقتصار في دراستها من زاوية ضيِّقة، وما يقترن بذلك من تشجيع الفقر، والدَّعوة إليه، وتفضيله على الغنى، مع ما ورد من تعوُّذه صلى الله عليه وسلم من الفقر، وأنه كاد أن يكون كفراً.

 وجاء المؤلف فكشف الغطاء، وصحَّح الصورة، وجمع الأدلَّة من الآيات الكريمة، والأحاديث الشريفة، ومن كتب السِّيرَة النَّبويَّة، وكتب التراجم، وحياة الصَّحابة والتاريخ، وعرض أقوال المفسرين والعلماء وشرَّاح الحديث والفقهاء القدامى والمعاصرين، وبيَّن تفسير الآيات الكريمة، وخرَّج الأحاديث الشريفة والآثار بمنهجٍ علميٍّ دقيقٍ ومختصَر، ودفع التناقضات، وردَّ على الشبهات والأقاويل الباطلة، وفنَّد الافتراءات الواردة على السِّيرَة النَّبويَّة، فكانت هذه الأطروحة أفضل رسالة عن السِّيرَة النَّبويَّة؛ لأنها أحيَت السُّنة والسِّيرة، وأخرجَت من بطون الكتب الوقائع الصَّحيحة للجانب المالي من السِّيرة، وصحَّحت الأخطاء، ودحضت الترهات التي نُسبَت إليها.

وظهرَت شخصية المؤلِّف في الجمع والتنقيب، والاستقراء والتتبُّع، ثم بالتحليل وبيان وجهِ الدلالة، وموطن الشاهد من الأدلة، واستخراج الاستنتاجات الصَّحيحة والسَّديدة والموفَّقة، والتي تتوافق مع النصوص الشرعية ومقاصد الشريعة.

 وحدّد المؤلف هدف الكتاب في مقدمته بأنه يقصد التوجه إلى الاقتصاد الإسلامي من خلال الاقتصاد النبوي، وتسليط الضوء على صفات رسول الله صلى الله عليه وسلم في العمل والإدارة والكسب والإنفاق، وأنه كان الاقتصاديَّ القدوة والأسوة في كل ذلك، وبيَّن الجانب الخاصّ بشخص النبي صلى الله عليه وسلم.

 وأحسَن المؤلف صُنعاً في تخريج معظم الأحاديث التي رجَع إليها، وبيَّن درجاتها، وحُكمَ العلماء عليها باختصار في الغالب، مع الالتزام بما جاء في الصَّحيحين، وما صحَّحه أهل الحديث.

 وجاء التوثيق كافياً ودقيقاً، مع الأمانة العلميَّة في العزو والنَّقل عن المصادر والمراجع والمخطوطات والبحوث والدراسات المعاصرة: السلبية والإيجابية، مع الأدب الجمّ في الحوار والجدال والمناقشة.

وامتاز الكتاب بعمل الجداول التي تلخِّص الصفحات العديدة، والأفكار المتفرقة، ولم يَغفُل المؤلف -جزاه الله خيراً- عن التعرُّض لمعظم الأحاديث التي يردِّدها الوعَّاظ والكتاب، وذكَر درجتها، وبيَّن دلالتها، ومناسباتها، وأسباب ورودها، ونقل آراء شرَّاح الحديث لمعناها ومضمونها، ثم اختار المعنى المناسب لها، والشرح الدقيق الذي يتوافق مع بقية الأحاديث وأخبار السِّيرَة النَّبويَّة.

 وناقش المؤلف الأحاديث الواردة في فقر النبي صلى الله عليه وسلم وغناه، ووصل إلى نتائج ممتازة، مع تسليط الضوء -خلال الدراسة- على أحداث السِّيرَة النَّبويَّة، وبيان فقه السيرة، واستخلاص العبر والأحكام منها، واقترح كتابة رسالة عن " الخصائص المالية للنبي صلى الله عليه وسلم".

جزى الله المؤلف خيراً، ووفَّقه لما يحبُّه ويرضاه، وسدَّد خطاه للمزيد من الإنتاج، لينتفع بذلك، وينفع الأمة والمجتمع، وأتوقَّع له مستقبلاً زاهراً في المساهمة في مجال الاقتصاد الإسلامي، وأوصيه بتقوى الله تعالى، والالتزام بما ورد في الصِّحاح، وأَشُدُّ على يديه لمتابعة هذا الطريق السَّديد، والمنهج القويم، لتقديم المزيد.

وصلى الله وسلم على سيِّدنا محمَّد، ورضي الله على آله وصحبه أجمعين

والحمد لله رب العالمين.

الأستاذ الدكتور محمَّد مصطفى الزحيلي

أستاذ الفقه الإسلامي والدراسات العليا

عضو وخبير في المجامع الفقهية

عميد كلية الشريعة، جامعة الشارقة (سابقاً)

الشارقة، في: 13 / 3 / 1434 هـ

الموافق: 25/ 1 / 2013 م

 

 


(1) صَدْرُ حديثٍ شريف، أخرجه أبو داود في سننه: كتاب السُّنَّة، باب قتال اللصوص، رقم (4774)، والترمذي في جامعه: كتاب الديات، باب فيمن قتل دون ماله فهو شهيد، رقم (1418)، وصححه.

(1) قال الشيخ محمد الغزالي /: (إن أعداداً كبيرة من المسلمين زعموا أن صاحبَ الرسالة آثرَ الفقر على الغنى، ودعا إلى قلة ذات اليد، وبهذه الفلسفة الجبانة نشروا الفقر في الأمة الإسلامية عدة قرون) [الطريق من هنا 1/46]، ومن ذلك ما عرضه حجة الإسلام الغزالي (505 هـ) في كتابه "إحياء علوم الدين" في بيانه لخصائص الفقر، ومناقب الفقراء، وكذا ما ورد في بعض كتب الحديث الشريف عن ذلك، كالترغيب والترهيب للمنذري (656 هـ)، وفي كتب السنن والمسانيد عن فضل الفقر، وورد مثله في بعض كتب السيرة، وكتيِّبات الدعوة.

(2) بيَّن الماوردي / (450 هـ) في كتابه "الأحكام السلطانية" (ص 295)، والقاضي أبو يعلى الفراء الحنبلي / (458 هـ) في كتابه "الأحكام السلطانية" (ص 202)، شيئاً من ذلك، فنقلا عن الواقدي في السِّيرَة النَّبويَّة قال: (وورث r من زوجته خديجة بنت خويلد ل دارها بمكة بين الصفا والمروة خلف سوق العطارين، وأموالاً)، كما نقلا: (أنه r ورث عن أبيه أموالاً، وورث عن أمه آمنة بنت وهب الزهرية دارها التي ولد فيها، ولذلك دفع إلى مرضعته أجرة رضاعه من أمواله التي ورثها من أبيه، واستمرت كذلك في حضانته بضع سنين، ولما كبر وكان ميسوراً غنياً طلب من عمه أبي طالب -الذي ضاقت به الحال لكثرة عياله وَرَدَّاً لجميله السابق- أن يرعى ولده علياً t، فرعاه في بيته، وعاش في كنفه وربّاه، وهذا معروف ومشهور).

(1) ونقتصر هنا على القدوة والأسوة والمثل الأعلى في الشؤون المالية، ونحيل ما عداها إلى مناسباتها الأخرى.

(1) روى ابن سعد بسنده قال: (أول صدقة في الإسلام: وقفُ رسول الله r) [الطبقات الكبرى: 1/182]، والثابت أن الخلاف بين أبي بكر t وفاطمة الزهراء ل، ثم مع علي والعباس ب لم يكن في ميراث النبي r وأصل الأراضي التي ذكروها، فالجميع معترف أن الأنبياء لا تُورث، وأن ما تركه r هو صدقة (وقف في سبيل الله) بعد وفاته، ولكن الخلاف حقيقة حول إدارة صدقات رسول الله r (أوقافه) بعد وفاته، والنظارة عليها، فتولاها أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، ثم الحسن، ثم الحسين y، وهكذا إلى بني العباس، وكانت معظم ثروته وتركته r وقفاً، وخاصة لزوجاته وأهل بيته وأقاربه، ثم للمسلمين، ولذلك عاش زوجاتُه بعد وفاته في كفاية وبحبوحة وكرامة.

(1) تركة النبي r، لإسماعيل بن حماد البغدادي، وهو أقدم مخطوط (179 هـ)، وتحدث عن تركة النبي r وأوقافه، وحققه الدكتور أكرم ضياء العمري، وكذا كتاب "إمتاع الأسماع بما للنبي r من أموال وحفدة ومتاع" للمقريزي (845 هـ)، نشر دار الكتب العلمية، بيروت.

(2) ينظر: [المعجم الكبير للطبراني 11/111].

(3) ينظر: [سلوة الكئيب بوفاة الحبيب لابن ناصر الدمشقي 1/30 وما بعدها].

(4) ينظر: [زاد المعاد في هدي خير العباد لابن قيم الجوزية 1/130 – 135].

(5) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الاستقراض، باب الصلاة على من ترك ديناً، رقم (2268).

(6) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الاستقراض، باب الصلاة على من ترك ديناً، رقم (2269)، ومسلم في صحيحه: كتاب الفرائض، باب من ترك مالاً فلورثته، رقم (1619).

(1) من أفضل ما كتب في هذا الخصوص ما قدَّمه طالبنا الأستاذ عبد الفتَّاح محمد السمَّان في أطروحته للدكتوراه بعنوان "الاقتصاد النبوي، إنفاق النبي r وأوقافه أنموذجاً"، فقد أحسن الاختيار، وأجاد العرض، فجزاه الله خيراً، ونفَع به.