هل كان النَّبيٍّ صلى الله عليه وسلم زاهداً؟

الزّهد: خلاف الرّغبة([1])، والزهد: ضد الحرص على الدنيا، وزهد في الشيء، بمعنى تركه وأعرض عنه([2]).

وقد تكلّم السّلف ومَن بعدهم في تفسير الزّهد في الدّنيا، وتنوّعت عباراتهم عنه، فقد روى الإمام أحمد في كتاب الزهد عن أبي مسلم الخولاني رحمه الله قال: (ليس الزهادة في الدّنيا بتحريم الحلال، ولا إضاعة المال، إنّما الزهادة في الدّنيا أن تكون بما في يد الله أوثق مما في يديك، وإذا أُصبتَ بمصيبةٍ كنتَ أشدَّ رجاءً لأجرها وذخرها من إيّاها لو بقيَت لك)([3]).

ومن تفسيرات الزهد قول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله -ولعله أصح ما قيل في الزهد؛ لتوافقه ومدلول الآيات والأحاديث، وحال الصحابة وحال السلف الصالح رضي الله عنهم- قال: (الزهد: هو ترك ما لا ينفع في الآخرة)، فمن كان بقلبه الرغبة في الآخرة، ولا يعمل العمل إلا إذا كان نافعاً له في الآخرة، وإذا لم يكن نافعاً له في الآخرة فإنه يتركه، فهذا هو الزاهد، فعلى هذا يكون الزاهد غنياً، وعلى هذا يكون الزاهد مشتغلاً ببعض المباحات، إذا كان اشتغاله بها مما ينفعه في الآخرة.

وقال أبو حامد القاضي: (الزهد في الدنيا لا يَصح؛ لأن الإنسان خلق منها وعمرها وسكن فيها، فلا سبيل إلى انسلاخه منها)([4]). وهذا قول جميل، فالزهد ليس بمعنى الفقر، ولا بمعنى ترك المال، وإنما تعلق القلب بالآخرة دون انسلاخه من الدنيا.

وقال العز بن عبد السلام رحمه الله في قواعد الأحكام: (والزُّهد في الشَّيء: خلوّ القلب من التَّعلُّق به مع الرَّغبة عنه، والفراغ منه، ولا يشترط خلوُّ اليد منه ولا انقطاع الملك عنه، فإنَّ سيِّد المرسلين وقدوة الزّاهدين مات عن فدك والعوالي ونصف وادي القرى وسهامه من خيبر، وملَك سليمان عليه السلام الأرض كلَّها، وكان شغلهما بالله مانعاً لهما من التَّعلُّق بكلِّ ما مَلَكا)([5]).

 

الزهد في القرآن الكريم:

 لم يَرد ذكر الزهد في القرآن الكريم صراحة غير مرة واحدة، وهي عند قول الله تعالى: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾ [يوسف: 20].

 وجاء في تفسير ابن كثير: (قوله: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾، يقول تعالى: وباعه إخوته بثمن قليل، والبخس: هو النقص، أي: اعتاض عنه إخوته بثمن دونٍ قليل، وكانوا مع ذلك فيه من الزاهدين، أي: ليس لهم رغبة فيه، بل لو سُئِلوه بلا شيء لأجابوا)([6]).

قال ثعلبٌ: اشتروه على زهد فيه([7]).

قلت: إن الله عز وجل لم يأمرنا بإعمار الأرض بقوله: ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود:61] لينقُضَ ذلك بالأمر بالزهد فيها -بمعنى تركها-، بل أمرنا أن نعمُرها من دون أن نجعلها غاية في حد ذاتها.

وهنا يجب التفريق بين الدنيا المذمومة والدنيا المطلوبة، ولعل تفسير قول الله تعالى -كما جاء في أضواء البيان في تفسير القرآن بالقرآن- يوضح المعنى تماماً؛ وذلك عند قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ﴾ [الأحقاف:20].

ومن الفهم الخاطئ لمراد الآية المتقدمة نشأ عند المسلمين مفهوم الهروب من الدنيا والابتعاد عنها والزهد فيها، فتركوها لغيرهم.

 

الزهد في الحديث.

اشتمل عددٌ من الأحاديث لا بأس به على معنى الزهد، كثيرٌ منها لا يرقى إلى درجة القبول، وبعضها يحتاج إلى تحرير أٌفرده بإذن الله في دراسة مستقلة في نهاية هذا المحور، فيُنظَر.

ومن خلال البحث ثم النظر في الأحاديث الواردة في كتب وأبواب الزهد يتبين أنه لم يثبت في أحاديث الزهد شيء يدعو للزهد أو يمدحه.

 


 ([1]) ينظر: [الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية لإسماعيل بن حماد الجوهري 2/281].

 ([2]) ينظر: [لسان العرب، مادة: زهد 6/97].

 ([3]) ينظر: [الزهد (ص96)].

 ([4]) ينظر: [البصائر والذخائر 1/46].

 ([5]) ينظر: [قواعد الأحكام 1/189].

 ([6]) ينظر: [تفسير القرآن العظيم 4/377].

 ([7]) ينظر: [تاج العروس من جواهر القاموس 8/151، لسان العرب 3/196، المحكم والمحيط الأعظم 4/228].