أثر النبرة الصوتية في التلاوة القرآنية 
بقلم الأستاذ أحمد رباح
 

القرآن الكريم هو: كلام الله تعالى المنزل على رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم، بلسان عربي مبين، نظماً ومعنى، المتعبد بتلاوته، المتحدى بسورة من سوره، المنقول إلينا بين دفتي المصحف بالتواتر.

 

وقد امتاز القرآن الكريم بعدد من الخصائص، منها:

 

1) التعبد بتلاوته:

يقول الله تعالى: {وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ * وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآَنَ}، {إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ * لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُور}.

 

2) نزوله من عند الله لفظاً ومعنى:

{وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآَنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ}

{وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ}.

{يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ}

 

3) أنه ذو لفظ عربي:

{وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ}

{إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ}

{وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآَنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آَيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آَذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ}.

 

4) التواتر في نقله:

يفيد ذلك بـ:

- اليقين القاطع بصحة القرآن.

- قبول القراءات المنقولة بالتواتر.

وخصائص أخرى كالاهتداء بهديه والاستغناء به عما سواه، و خلود أحكامه وحفظه، وأنه معجزة النبي الكبرى وحجته الواضحة.

وإذا ما وقفنا على الجهود الجبارة التي بُذلت في هذه الأمة لخدمة هذا القرآن الكريم أذهلنا عظيم الاعتناء به، حتى وصلنا اليوم لنقرأه تماماً كما قرأه سيّدنا محمَّد صلى الله عليه وسلم، لم يتغير منه حرف ولم تتبدل منه كلمة، لم يبدَّل ولم يغيَّر ولم يحرَّف.

 

وأذكر -على سبيل المثال-: في سورة هود برواية حفص عن عاصم نقرأ: {وَقَالَ ارْكَبُواْ فِيهَا بِسْمِ اللّهِ مَجْرىـهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} [هود:40].

في سياق اللغة العربية لو أردنا أن نقرأ هذه الآية لقلنا: (مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا) -بتحقيق الألف في (مَجْرَاهَا)-، لكنك عندما تقرأ الآية في القرآن الكريم تنطقها بإمالة في كلمة: {مَجْرىـهَا} فتقول: {وَقَالَ ارْكَبُواْ فِيهَا بِسْمِ اللّهِ مَجْرىـهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} [هود:40].

لماذا تُقرأ (مَجْرىـهَا) بالإمالة؟! لأن القرآن نزل على سيّدنا محمَّد صلى الله عليه وسلم كذلك، وهو قرأها كذلك.

 

وفي سورة يوسف نجد حكماً تجويدياً اسمه "الإشمام" عند قول الله تعالى: {قَالُواْ يَا أَبَانَا مَا لَكَ لاَ تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ} [يوسف:11].

الإشمام بعد الميم في كلمة {تَأْمَنَّا}، ومعنى الإشمام: أن يضمَّ القارئ شفتيه عند حرف النون من كلمة {تَأْمَنَّا} كأنه ينطق بالنون نوناً مضمومة، لكنه لا يُخرج صوت الضمة، إنما يضم شفتيه وحسب.

لمَ نقرؤها كذلك؟ لأن سيّدنا محمَّداً صلى الله عليه وسلم عندما قرأ هذه الكلمة ضم شفتيه عند حرف الميم.

وهكذا.. وصَلَنا القرآن الكريم بأدقِّ تفاصيله، حتى ضمّ الشفتين.

 

وترسيخاً لهذه الجهود وتثبيتاً للصواب ونفياً لاحتمال الخطأ كان القرآن ينتقل بين الأجيال في السطور والصدور، وقد عاب الأكابر من القراء على من اكتفى بأخذ كتاب الله من السطور، فلا بد من المشافهة لنقل ما لا يُكتب، وما لا تحتمله الكتابة وما يعجز عنه التعبير، كيف لا، وقد وصف الله تعالى المؤمنين بقوله: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ} [البقرة: 121]، والتلاوة الحقة لا بد أن تكون مستوعبة للتفاصيل.

 

لكن -ومع كل هذه الجهود المبذولة- هناك شيء عرفه السلف وافتقده الخلَف في القرآن الكريم، ألا وهو النبرة الصوتية للألفاظ القرآنية، والتي تسهم إلى درجة كبيرة في توضيح المعاني وإيصال الرسائل المرادة.

فالنص -مهما كان- يبقى عاجزاً عن إيصال الرسائل التي يوصلها اللفظ المنبور، إذ النبرة تحمل المعاني وتصور الجُمل، ولهذا رأينا كبار القراء يؤصلون للقراءة التصويرية، والتعبيرية، والتلوين الصوتي، وذلك دفعاً للمخاطر التي يحملها الاكتفاء بنقل النص وحده.

 

والتلوين الصوتي هو أن يؤدي القراءة بما فيها من معنى فيكون صوته موافقاً للمعنى الذي يقرأه فإن كانت الآيات مختومة باستفهام فهو لا بد أن يعطي الاستفهام حقه من الصوت كذلك آيات القصص آيات الرحمة، وذلك كقوله: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ}.

 

وأيضاً الآيات التي تتكلم -مثلاً- عن نسبة النقص إلى الله، كقوله: {وَيَجْعَلُونَ لِلّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ}، هذه لها طريقة في الأداء، وذكرها بعضهم بأنه من سوء الأدب أن ترفع صوتك مثلاً عندها.

 

فقال النووي في التبيان في آداب حملة القرآن: (ومنها -أي الآداب- أنه إذا قرأ قول الله عز وجل (وقال اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله وقالت اليهود يد الله مغلولة وقالوا اتخذ الرحمن ولدا) ونحو ذلك من الآيات ينبغي أن يخفض بها صوته، كذا كان إبراهيم النخعي رضي الله عنه يفعل).

ففي قوله: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ} من سوء الأدب مع الله أن يرفع القارئ فيها صوته، بل بالعكس المفروض أن يخفض الصوت، وكذلك: {وَقَالُواْ اتَّخَذَ اللّهُ وَلَدًا}، {وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللّهِ} هذه كلها يخفض فيها الصوت، لكن إذا جاء التقرير الصحيح رفع القارئ صوته وبيَّن قراءته: {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ}

 

ويدخل في التلوين كذلك تحسين الصوت (التغني بالقرآن)، فالتعبير القرآني والتعبير الأدائي هو ضرب من ضروب التفسير؛ إذ تعين من لم يفهم القرآن على الفهم، وهي تدل على أن القارئ يتدبر ويفهم، يفهم أن هذا استفهام وهذا وصف ويدخل فيها أشياء كثيرة حتى يدخل فيها العطف، يعني بعض الواوات عاطفة وبعضها مستأنِفة تبدأ جملة جديدة.

 

وأيضاً ينبِّه إلى تتالي الحركات، كقوله تعالى: {وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} أو {فَقْست قلوبهم}، {فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ}، {فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ}.

 

وهناك بعض العلماء تعرضوا للحديث عن النبرة، لكن بقي الحديث قاصراً لم أجد من استفاض فيه، وممن ذكر ذلك:

 

قال الزركشي في البرهان في علوم القرآن (1/ 450):

وقيل: (فمن أراد أن يقرأ القرآن بكمال الترتيل فليقرأه على منازله، فإن كان يقرأ تهديداً لفظ به لفظ المتهدد وإن كان يقرأ لفظ تعظيم لفظ به على التعظيم.

وينبغي أن يشتغل قلبه في التفكر في معنى ما يلفظ بلسانه فيعرف من كل آية معناها ولا يجاوزها إلى غيرها حتى يعرف معناها).

 

وقال السيوطي في الدر المنثور في التفسير بالمأثور (3/ 506):

خرج أَبُو الشَّيْخ عَن أبي نَضرة قَالَ: يسْتَحبّ إِذا قَرَأَ الرجل هَذِه الْآيَة {أفأمن أهل الْقرى أَن يَأْتِيهم بأسنا بياتاً وهم نائمون} يرفع بهَا صَوته.

 

وقال سيد قطب في التصوير الفني في القرآن الكريم:

(جاء في صدد الحديث عن اليهود والنصارى:

{لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ. وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ}.

فتلك صورة من صور التِأثر الوجداني لسماع القرآن. وإن أعينهم لتفيض من الدمع مما عرفوا من الحق ؛ وإن للطريقة التي يعرض بها هذا الحق لأثراً لا شك فيه، يفصح عنه ما ورد في موضع آخر:

{قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّداً. وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً. وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً}.

وكذلك هذه الصورة عن " الذين يخشون ربهم ":

{اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} [الزمر:23]

 

وقال الشيخ محمد رشيد رضا في تفسير القرآن الحكيم:

(من حسن البيان وبلاغة التعبير، التي غايتها إفهام المراد مع الإقناع والتأثير: أن ينبِّه المتكلمُ المخاطبَ إلى مُهِمات كلامه والمقاصد الأَولى بها.

ويحرص على ان يحيط علمه بما يريده هو منها، ويجتهد فى انزالها من نفسه فى أفضل منازلها، ومن ذلك التنبيه لها قبل البدء بها لكيلا يفوته شيء منها، وقد جعلت العرب منه (ها) التنبيه واداة الاستفتاح، فأي غرابة فى ان يزيد عليها القرآن الذي بلغ حد الاعجاز فى البلاغة وحسن البيان، ويجب ان يكون الامام المقتدى، كما انه هو الامام فى الإصلاح والهدى؟

ومنه ما يقع فى أثناء الخطاب من رفع الصوت وتكييفه بما تقتضيه الحال من صيحة التخويف والزجر، او غنة الاسترحام والعطف، او رنة النعي واثارة الحزن، او نغمة التشويق والشجو، او هيمة الاستصراخ عند الفزع، او صخب التهويش وقت الجدل. ومنه الاستعانة بالإشارات وتصوير المعاني بالحركات، ومنه كتابة بعض الكلمات او الجمل بحروف كبيرة او وضع خط فوقها او تحتها... ).

 

وقال د.غانم قدوري:

(قال بعض المحققين: ينبغي أن يقرأ القرآن على سبعة نغمات: فما جاء من أسمائه تعالى وصفاته فبالتعظيم والتوقير، وما جاء من المفتريات عليه فبالإخفاء والترقيق. وما جاء من ذكر الجنة فبالشوق والطرب. وما جاء من ذكر النار والعذاب فبالخوف والرهب. وما جاء من الأوامر والنواهي فبالطاعة والرغبة. وما جاء من ذكر المناهي فبالإبانة والرهبة).

 

هذا، وتبقى المخاطر التي يحملها الاكتفاء بنقل النص وحده قائمة، ونذكر منها على سبيل المثال:

1- إذا حذف حرفٌ لالتقاء الساكنين وخشي من اللَّبس كما في قوله تعالى: {وَاسْتَبَقَا الْبَابَ} [يوسف: 25] وقوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ} [النمل: 15]، وقوله عز وجل: {فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا } [الأعراف: 22]

ففي مثل هذه المواطن قد يحتاج القارئ إلى ضغطة خفيفة أو نبر ما بعد الألف المحذوفة إشعاراً بالألف، وغياب ذلك يوحي بأن الجملة: (واستبقَ الباب)، (وقالَ الحمد لله)، (فلما ذاقَ الشجرة).

2- ثم إن للنبر تعبير دلالي على المعنى، فالنبر على حرف الواو في كلمة (القوة) في قوله تعالى: {أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا} [البقرة: 165] له تعبير دلالي للتأكيد على أن القوة للّه وحـده، لا سيما والآية تتحدث عن اتخاذ الأنداد من دون اللّه {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ...} [البقرة: 165]، فكان لا بد من التـأكيد على (القوة) التي تليق باللّه تبارك وتعالى من خلال النبرة.

ومثل ذلك يقع في قوله تعالى: {وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا} [الإسراء: 111]

وقوله: {ولم يكن له ولي من الذل} أي: لم يحالف أحداً ولا يبتغي نصر أحد، بينما إن تغيرت النبرة يمكن أن توصل المعنى: (ولم يكن له حليف وناصر، وذلك من الذل فيه) تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.

 

وبمناسبة الكلام عن هذه الآية جاء في تفسير ابن كثير للآية التي سبقتها: {وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا} [الإسراء: 110] كلام يوجه النبي صلى الله عليه وسلم للانتباه إلى نبرته وقوة صوته في القرآن الكريم:

(وقوله: {ولا تجهر بصلاتك} الآية، قال الإمام أحمد... عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية وهو متوار بمكة، وكان إذا صلى بأصحابه رفع صوته بالقرآن، فلما سمع ذلك المشركون سبوا القرآن، وسبوا من أنزله، ومن جاء به. قال: فقال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: {ولا تجهر بصلاتك} أي: بقراءتك فيسمع المشركون فيسبوا القرآن، {ولا تخافت بها} عن أصحابك فلا تسمعهم القرآن حتى يأخذوه عنك {وابتغ بين ذلك سبيلا}.

 

وعن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جهر بالقرآن وهو يصلي، تفرقوا عنه وأبوا أن يسمعوا منه، فكان الرجل إذا أراد أن يستمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض ما يتلو وهو يصلي، استرق السمع دونهم فرقا منهم، فإن رأى أنهم قد عرفوا أنه يستمع، ذهب خشية أذاهم فلم يستمع، فإن خفض صوته صلى الله عليه وسلم لم يستمع الذين يستمعون من قراءته شيئا، فأنزل الله {ولا تجهر بصلاتك} فيتفرقوا عنك {ولا تخافت بها} فلا تسمع من أراد أن يسمعها ممن يسترق ذلك دونهم، لعله يرعوي إلى بعض ما يسمع، فينتفع به {وابتغ بين ذلك سبيلا}.

 

وعن محمد بن سيرين قال: نبئت أن أبا بكر كان إذا صلى فقرأ خفض صوته، وأن عمر كان يرفع صوته، فقيل لأبي بكر: لم تصنع هذا؟ قال: أناجي ربي، عز وجل، وقد علم حاجتي. فقيل: أحسنت. وقيل لعمر: لم تصنع هذا؟ قال: أطرد الشيطان، وأوقظ الوسنان. قيل أحسنت. فلما نزلت: {ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا} قيل لأبي بكر: ارفع شيئاً، وقيل لعمر: اخفض شيئاً).

 

3- من صور النبر: نبر الجمل، والذي يقوم على الضغط على كلمة بعينها في إحدى الجمل المنطوقة؛ لتكون أوضح من غيرها من كلمات الجملة، وذلك للاهتمام بها أو التأكيد عليها ونفي الشك عنها من المتكلم أو السامع، وهذا السلوك اللغوي شائع في كثير من اللغات.

ونذكر هنا مثالاً في قوله تعالى: {وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [يوسف: 30]

 

فإن الضغط على كلمة بعينها من الآية يوجه إلى السامع إلى مركز الثقل والأهمية في الخبر، فالضغط على كلمة "نسوة" يوحي بأن الأمر شاع حتى صار حديث النساء، والضغط على كلمة "المدينة" يوحي بأن الأمر تناقل في المدينة التي لا ينتشر فيها من الخبر إلا أعلاه وأهمه، والضغط على كلمة "امرأة العزيز" توحي باستنكار مثل هذا الفعل من نساء الطبقة المخملية في مصر، والضغط على "تراود" يفيد استحقار الفعل واستصغار هذا السلوك، والضغط على "فتاها" يبين مدى استهانة امرأة العزيز بقيمتها أن تراود فتاها... وهكذا.

 

4- إن النبر والتنغيم من مهمات القرائن التي تقترن بالنص لتفيد في بيان الدلالة منه، فهي ترشد إلى المراد وتفرق بين الخبر والإنشاء وبين الجد والتهكم...

ولبيان ذلك نذكر مثالاً عن معاني صيغة الأمر في القرآن الكريم:

معروف أن الأمر في القرآن الكريم كثير، إذ يقوم معظم الشرع على الأمر والنهي، ومعلوم أن المقصود من الأمر يختلف باختلاف نبرته، فليس كل أمر في القرآن الكريم مقصود به ذات الطلب، فمن المعاني التي يرد لأجلها الأمر:

  1. الوجوب: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ}، هنا الأمر يفيد الوجوب، والذي يحدد ذلك هو النبرة.
  2. الندب: {فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا}، وهنا الأمر يفيد السنية والاستحباب، بدلالة القرينة، ولا بد أن يظهر ذلك في النبرة.
  3. الإباحة: { كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ}
  4. التهديد: {اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ}، ولا بد أن يظهر معنى التهديد هنا في نبرة الصوت عند قراءة الآية.
  5. الدعاء: {رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا}، ولا يليق هنا أن تكون نبرة الآية كالنبرة في قوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ}!!
  6. التمني: {رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا}
  7. التسوية: {فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا}.
  8. التعجيز: { فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ}
  9. الإهانة: {ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ}
  10. التعجّب: {انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ}
  11. الإرشاد: {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ}

وهنا يظهر دور النبر، فهو من مهمات القرائن للدلالة التي ترشد إلى المراد، وتفرق بين الخبر والإنشاء وبين الجد والتهكم.

 

ومن أمثلة اختلاف المعنى باختلاف النبرة:

1) قول الله تعالى: {لِيَأْكُلُوا مِن ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ}. (ما) تحتمل أن تكون نافية، ليكون المراد: الأكل من ثمار لم تعملها أيديهم، بل وجدوها ناضجة طيبة نعمة من الله.

وتحتمل أن تكون موصولة أو مصدرية، والمراد الأكل من الثمار، ومن صنع اليد، فالنبر المصاحب لـ "ما" النافية يختلف عن النبر المصاحب لـ "ما" الموصولة، ومثله قول الله تعالى: { مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ} [الملك: 3]

 

2) قول الله تعالى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا} [البقرة:158]، فقوله تعالى: {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا} قد يقرأ بنبرة تفيد رفع الحرج وإباحة الطواف، بينما المقصود منه الأمر بالطواف، لما أخرج البخاري ومسلم وغيرُهما من حديث عُرْوَة بن الزُّبير، قال: «سألتُ عائشة -رضي الله عنها- فقلتُ لها: أرأيتِ قول الله تعالى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا} [البقرة:158]، فوالله ما على أحدٍ جُناح أن لا يَطَّوَّف بالصَّفا والمروة، قالت: بِئْسَ ما قلتَ يا ابنَ أختي، إنَّ هذه لو كانت كما أوَّلْتَهَا عليه كانت: لا جُناح عليه أن لا يتَطَوَّف بهما، ولكنَّها أُنزِلَت في الأنصار، كانوا قَبْل أن يُسلِموا يُهِلُّون لمَنَاة الطَّاغية التي كانوا يعبدونها عند المُشَلَّل، فكان مَن أهَلَّ يتحرَّج أن يطوف بالصَّفا والمروة، فلما أسلَموا سألوا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك, قالوا: يا رسولَ الله, إنَّا كنَّا نتحرَّج أن نطَّوف بين الصَّفا والمروة, فأنزَل الله تعالى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} الآية.

 قالت عائشة -رضي الله عنها-: وقد سَنَّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم الطَّواف بينهما, فليس لأحدٍ أن يترُك الطَّواف بينهما».

 

3) قول الله تعالى: {وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ} [محمد: 20] فالنبرة هي التي تحدد معنى (لولا أنزلت سورة)، هل هو للطلب أو التحسر أو التمني..

وكذلك توجه المعنى في قوله تعالى: {إنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ... فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ} [القلم: 26]، فالجملة تحتمل الاستفهام - والحسرة - والإثبات.  

 

4) قول الله تعالى: {قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ؟! كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ؛ حَيْرَانَ، لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى: ائْتِنَا} [الأنعام: 71]

وهنا لا يمكن إيصال المعنى المراد من الآية إلا بقراءتها بنبرة تعطي كل جملة حقها، فإن قرأنا صدر الآية بمجرد استفهام دون إنكار {قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا}، تصير عبارة: {وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا} خبرية!! وهذا قبيح.

ثم بعدها لا بد من الفصل بالنبرة في قوله: {بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ} حتى لا يوهم المعنى أن الله هدانا كهداية الذي استهوته الشياطين!!

 

5) والنبرة تصف الحال المراد من الآية، كوصف التردد والتقلقل في الأحكام في قوله تعالى: {بَلْ قَالُوا: أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ، بَلِ افْتَرَاهُ، بَلْ هُوَ شَاعِرٌ، فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ} [الأنبياء: 5]، ولا يمكن أن يصل معنى هذا التخبط الذي وقع به الكفار إلا من خلال النبرة، وبغيرها يُخشى على السامع أن يفهم "بل" استدراكية من القرآن الكريم لتصحيح الخبر، وهذا محال -تنزه كتاب الله عن ذلك-.

 

6) {فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ * فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ * فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ} [الأنعام: 76 - 78]

فقول إبراهيم عليه السلام (هذا ربي) يحتمل أن يكون للإقرار، أو للاستفهام الإنكاري، أو لمجرد الاستفهام... والنبرة هي التي تحدد السياق.

 

7) {أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى * عَبْدًا إِذَا صَلَّى * أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى * أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى * أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى * أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى} [العلق: 9 - 14]

 

8) ثم إن النبرة تعطي الروح للقصة، وبغيرها تختلط الأحداث، ومثال ذلك قول الله تعالى: {لَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [الأعراف: 150]

جاء في تفسير الزمخشري (الكشاف): ({وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ} [الأعراف: 154] كأن الغضب كان يغريه على ما فعل ويقول له: قل لقومك كذا وألق الألواح، وجرّ برأس أخيك إليك، فترك النطق بذلك وقطع الإغراء)

وقريب من ذلك ينطبق على قول الله تعالى: {إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ نَظَرَ * ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ * ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ * فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ * إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ } [المدثر: 18 - 25]

والنبرة تحيي الصورة وتحركها، ويتضح ذلك في قول الله تعالى: { هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ * فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [يونس: 22، 23]

أيضاً لما يتكلم الله عن عذاب أهل النار أو عن دخول أهل الجنة الجنة أو المحاورة بينهم كل هذه المفروض الإنسان يجعل الصوت مناسباً للمعنى وللموضوع المقروء، فلا تصح قراءة آيات العذاب بنبرة المستبشر، ولا خلاف ذلك.

والنبرة تعطي استفتاحات السور (الم - ص - ق - كهيعص) الدور المراد لها، فمثلاً عندما يفتتح الله تعالى السورة بحرف واحد ويعطيه القارئ حقه من النبرة ينبّه السامع أن اسمع الكلام الذي سيأتي بعده فهو كلام مهم.

ولذلك كل الأحرف المقطعة في القرآن يليها ذكر القرآن دائماً، إذا ذكر الله حرفاً من الحروف المقطعة فلا بد أن يأتي بعده ذكر القرآن إلا سورة العنكبوت {الم * أَحَسِبَ النَّاسُ}.

 

9) وكذلك قول الله تعالى: {وَقُلِ الحق مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ} [الكهف: 29]، والنبرة هنا تحدد هل الجملة للإباحة، أو للتهديد!! ومثل ذلك قول الله تعالى: {أَنتُمْ بريئون مِمَّآ أَعْمَلُ وَأَنَاْ بريء مِّمَّا تَعْمَلُون} [يونس: 41]، وقوله: {وَلَنَآ أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ} [البقرة: 139].

 

10) وقوله تعالى: {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ} [الحاقة: 44 - 46] الذي ورد لنفي التهمة عن النبي صلى الله عليه وسلم في سياق التنزيه عن أقوالهم وإثبات أنه كلام الله: {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ * وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ * تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الحاقة: 40 - 43]، فلا يصح أن يُقرأ بنبرة التهديد للنبي صلى الله عليه وسلم في حين أن القصد منه نفي التهمة تماماً عنه.

ومثل هذا التحوير والتشويه كان يمتطيه بعض أهل الكتاب، ففضحهم الله تعالى بقوله: {وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ}[آل عمران: 78].

 

11) قول الله تعالى: {وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا} [طه: 115]، فيحتمل المعنى -كما قال المفسرون-:  {وَلَمْ نَجِد لَهُ عَزْمًا} حَزْمًا وَصَبْرًا عَمَّا نَهَيْنَاهُ عَنْهُ. وقد يفيد النبر معنى: لم نجده عازماً على المخالفة والمعصية، وهذا المعنى الثاني بعيد.

 

12) قول الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ} [الانفطار: 6 - 8] فالنبرة تحدد إذا كان مجرد سؤال، أو سؤال استنكاري، أو عتاب للعبد!

 

13) قول الله تعالى: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ} [الأعراف: 37]، فلا يستقيم قراءة صدر الآية بمجرد الاستفهام، وكذلك قراءة {أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ} دون نبر "ما" يحول المعنى من استفهام موجه للكافرين عن شركاهم إلى ظرف مكان عام أو اسم شرط وجزاء وكلاهما غير مناسب.

 

14) وكذا قوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ} دون نبر "ما" يجعل "أنما " كأنها أداة قصر وهذا غير مراد في الآية.

 

ولذلك، إذا أردنا أن نستدرك للحصول على النبرة اللازمة في القراءة لزمنا الآتي:

1- الوقوف على التفاسير، وأسباب النزول، والسياق العام والظروف المحيطة (البعيدة والقريبة) التي نزل ضمنها النص القرآني.

2- الاعتماد على تفسير الصحابة كأساس، فتفسير الصحابي مهم جداً لأنه سمع وغيرُه قرأ فقط، سمع القرآن وسمع نبرات الرسول صلى الله عليه وسلم.

3- اعتماد علامات الترقيم في القرآن الكريم:

 

وعلى سبيل المثال أذكر هنا نماذج لآيات توضحها علامات الترقيم:

- {قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ؟ سَيَقُولُونَ: لِلَّهِ!! قُلْ: أَفَلَا تَذَكَّرُونَ؟! قُلْ: مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ؟ سَيَقُولُونَ: لِلَّهِ!! قُلْ: أَفَلَا تَتَّقُونَ؟! قُلْ: مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ، وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ؟ سَيَقُولُونَ: لِلَّهِ!! قُلْ: فَأَنَّى تُسْحَرُونَ؟} [المؤمنون: 84 - 89]

- {قُلِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى، آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ؟! أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ؟ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ، مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا؟ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّه؟!!ِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ! أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا؟ وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا؟ وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ؟ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا؟ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ؟!! بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ!! أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ؟ وَيَكْشِفُ السُّوءَ؟ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ؟ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ؟!! قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ! أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ؟ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ؟ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ؟! تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ!!} [النمل: 59 - 63]

- {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا، فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ، فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ، وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا، وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ، فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ: إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ، أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ، ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا، فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [الأعراف: 175، 176]

- { وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ: يَاأَهْلَ يَثْرِبَ، لَا مُقَامَ لَكُمْ، فَارْجِعُوا!! وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ، يَقُولُونَ: إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ! وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ! إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا!!} [الأحزاب: 13]

- {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ، فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ، قَالُوا: يَاوَيْلَنَا!! مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا؟ هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ، وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ، إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ!} [يس: 51 - 53]

- { وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ، قَالُوا: مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ؟ أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ: لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ؟! ادْخُلُوا الْجَنَّةَ، لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ} [الأعراف: 48، 49]

- {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا، وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ: تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا، وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ، وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ } [آل عمران: 30]

 

مراجع مفيدة:

  • التصوير الفني في القرآن الكريم (سيد قطب)
  • إبراهيم الدوسري له كتاب "إبراز المعاني في الأداء القرآني"
  • (من أساليب التربية في القرآن الكريم) الدكتور عثمان قدري مكانسي