لنفترض جدلاً بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان فقيراً.. هذا يفرض سؤالاً محورياً:  هل فقر النبي سُنَّة لنا أو خصوصية له؟

 

  • بداية: هناك سؤال يفرض نفسه: 

ما حكم من اتهم النبي صلى الله عليه وسلم بالفقر؟

تقدم أنه ما من آية واحدة أو حديث يدلاَّن على فقر النبي صلى الله عليه وسلم، وأن ادّعاء ذلك إنقاصٌ من قدره الشريف؛ لأن الله تعالى هو من وعد بإغنائه صلى الله عليه وسلم {فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ}.

وإن أهل الشرك أنفسهم على ما تبجحوا باتهام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنون والمس والسحر، غير أنه لم يجرؤوا على اتهام النبي صلى الله عليه وسلم بالفقر والمسكنة، وما ذاك إلا من معرفتهم أنه على أحسَن حال.

  • ثم اسأل: هل الفقر خير أو شر؟

والجواب: هو شر، يقول الله تعالى: {وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوساً} [الإسراء:83]. قال القرطبي في تفسيره والرازي والآلوسي والشوكاني والواحدي والسمرقندي والنسفي وابن الجوزي وغيرهم: (أي إذا مسَّه فقر أو مرض أو نازلة من النوازل) [الجامع لأحكام القرآن 10/321، تفسير الرازي ابو عبدالله الرازي - (10 / 114)].

 

  • هل الفقر نقص أو كمال؟

والجواب: هو نقص، فالله تعالى يقول: {وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ} [الفجر:16]. وقدر هنا بمعنى أنقص وضيق.  

 

  • هل الفقر نعمة أو مصيبة؟

هو مصيبة، وقد خص الله تعالى النبي بالنعم وأمره بالتحدث بها، فقال: {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ} [الضحى:11].

وفي هذا رد على بعض من فضّل الفقر على الغنى مع أن المفضّل هو الصفة الخيرة الملازمة للفقر وهي الصبر، وليس الفقر لذاته، كذلك يفضَّل الشكر مع الغنى، وليس الغنى ذاته.

 

  • هل الفقر ممدوح أو مذموم؟

هو مذموم؛ لأن الله سلطه عذاباً على بني إسرائيل لما خالفوا أمره: {وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ} [البقرة:61].

 

  • هل الفقر فضيلة أو نقيصة؟

هو نقيصة، لأنه عِدَة الشيطان، أما الغنى فهو عِدَة الرحمن، يقول الله تعالى: {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [البقرة:268].

فإذا ما نسبتَ الفقر إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقد نسبت له شراً، ونقصاً، ومصيبة، ومذمة، ونقيصة...، وهذا ما ينكره الكتاب!!

والمقصود بالفقر الذي ينفيه الكتاب عن النبي صلى الله عليه وسلم الفقر المالي لا الافتقار إلى الله سبحانه الذي تشترك به الخلائق إلى خالقها، بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ}[فاطر:15]

ولا يوجد -فيما أعلم- آية واحدة تشيد أو تشير إلى فقر النبي صلى الله عليه وسلم، بل دلّ الدليل على إغنائه صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى: {وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى} [الضحى:8].

وعلى عمله التجاري الذي ينفي فقره: {وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ..} [الفرقان:7].

 

  • سؤال أخير: إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم فقيراً فهل الفقر سنَّة أم خصوصية؟

الجواب: إن كان فقر النبي صلى الله عليه وسلم سنَّة فلماذا تركها أكابر الصحابة كأبي بكر وعثمان وابن عوف وسعد وغيرهم؟ مع أن الله تعالى جعل رسوله صلى الله عليه وسلم أسوةَ أمَّته، فقال: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُوْلِ اللّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب:21].

وكان سعد بن عبادة رضي الله عنه يسأل الله تعالى السعة، وقال إخوة يوسف: {وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ} [يوسف:65]، وقال شعيب لموسى: {فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ} [القصص:27]، وهذا أمر مركوز في الطباع.

وخلَّف طلحة رضي الله عنه ثلاثمائة بهار -والبهار: الحمل-، في كل بهار ثلاثة قناطير، وكان مال الزبير رضي الله عنه خمسين ألفاً ومائتي ألف، وخلَّف ابن مسعود رضي الله عنه تسعين ألفاً، وأكثر الصحابة كسبوا الأموال وخلَّفوها ولم ينكر أحد منهم على أحد، وكان سعيد بن المسيِّب -رحمه الله- يقول: (لا خير فيمن لا يطلب المال؛ يقضي به دينه ويصون به عرضه، فإن مات تركه ميراثاً لمن بعده)، وخلف ابن المسيب أربعمائة دينار، وخلف سفيان الثوري -رحمه الله- مائتين، وكان يقول: (المال في هذا الزمان سلاح).

 

وما زال السلف يمدحون المال ويجمعونه للنوائب وإعانة الفقراء، وإنما تحاماه قوم منهم إيثاراً للتشاغل بالعبادات، وجمع الهم فقنعوا باليسير، وبهذا يندفع أن يكون الفقر في النبي صلى الله عليه وسلم سنة.

وإن كان فقر النبي صلى الله عليه وسلم خصوصية: فكيف خصّه الله بالفقر ثم أحل ّله ما يعارضه وينفيه من الغنائم وأبواب الرزق، بل كانت الغنائم خاصة له دون غيره من الأنبياء؛ إذ قال صلى الله عليه وسلم: «أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي: نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، فَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ، وَأُحِلَّتْ لِي الْمَغَانِمُ وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ، وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً» [متفق عليه]، فعَجَب كل العَجَب كيف يختص الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بضدين ينفي كل منهما الآخر!!

 

ثم كيف يمتنّ الله تعالى عليه في القرآن بضدِّ ما خصه به، فيقول: {وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى}؟!

وبذلك ننفي أن يكون الفقر سُنَّة أو خصوصية.