بكل برود.. سألني بعد أن جفَّ حلقي وأنا أحدثه عن غنى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: (وما المشكلة أن يكون فقيراً؟) 

كان هذا الجواب كماء ساخن يصَب على رأسي! فلا ينطبق على حال النبي صلى الله عليه وسلم معنىً من معاني الفقر!

وأورد هنا -بياناً لذلك- مرادفات كلمة الفقر ودلالاتها:

  • الفقير: ليس له ما يكفيه من القوت، ويسأل الناس.
  • المسكين: فقير ليس له ما يكفيه، ولايسأل الناس مظهراً المسكنة.
  • البائس: الشديد الفقر، وهو أجهد من المسكين والفقير.
  • السائل: الفقير المحتاج الذي أُذِنَ له بالسؤال لدفع الحاجة عن نفسه.
  • المعدَم: الذي لا يجد شيئاً لعدم قدرته على إيجاده.
  • المحتاج: ذو حاجة لا يقال: محتاج، بل محتاج إلى مال ونحوه.
  • الصعلوك: الذي لا مال له، ولا يعتمد على أحد في تحصيله.
  • المقتر: من ضاق عيشه، أي قلّ وافتقر.
  • المعسر: العاجز عن الوفاء بالدين.

والسؤال:

  • هل ينطبق وصفٌ مما تقدم من معاني الفقر على حال النبي صلى الله عليه وسلم؟!!
  • هل يمكن وصف النبي صلى الله عليه وسلم بالفقير؟ فيكون قد سأل الناس!!
  • هل يحق له صلى الله عليه وسلم أن يسأل الصدقة وهي محرمة عليه؟! حاشا وكلا؟!

 جاء في معجم المناهي اللفظية: (وفي حكم وصف النبي صلى الله عليه وسلم بالفقر قال الكتاني -رحمه الله تعالى-: بعد بيان ما فتح الله على نبيه صلى الله عليه وسلم من خزائن الأرض: "قال الحليمي -كما في شعب الإيمان-: من تعظيمه عليه السلام أن لا يوصف بما هو عند الله من أوصاف الضِّعَة([1])، فلا يُقال: كان فقيراً، وأنكر بعضهم إطلاق الزهد عليه، وقد ذكر القاضي عياض في "الشفا" وعنه التقي السبكي أن فقهاء الأندلس أفتوا بقتل صالح الطليطلي وصلبه؛ لتسميته النبي صلى الله عليه وسلم يتيماً، وزعمه أن زهده لم يكن قصداً ولو قدر على الطيبات أكلها)([2]).

والذي جاء في شُعَب الإيمان للبيهقي([3]): (ومما يدخل في تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم أن لا يقابل قول يحكى عنه أو فعل له بوصف أو حال له تذكر بما يكون أزراء به، ولا يسمى بشيء من الأسماء التي هي في متعارف الناس من أسماء الضّعة، فلا يقال: كان النبي فقيراً، أو يقال إذا ذكرت مجاعته أو شدة لقيَها: مسكين، كما يقال ذلك في مثل هذه الحال لغيره ترحماً وتعطفاً عليه، وإن قيل: كان النبي صلى الله عليه وسلم محب لذلك، فقابله أحد بأن يقول: أما أنا فلا أحبه).

ويبقى بعد ذلك الوصف الوحيد الذي وصف الله به حال نبيه صلى الله عليه وسلم المالية، وهو قوله تعالى: {وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى} [الضحى: 8] وما العائل بالفقير؛ فلو شاء الله تعالى هذا المعنى لذكره بذات اللفظ، لا بغيره، كما تبين أن هناك ألفاظ تدل كلها على الفقر، وليست هي الفقر.

فالعائل هو: كثير العيال، ومَن تغيَّر حاله لكثرة نفقاته، ومنه (العول) الذي يَرِدُ في علم الفرائض، ويعني الزيادة، أي زيادة الأعباء، وهذا ما كان عليه حال النبي صلى الله عليه وسلم.

 


([1]) الضَّعةُ والضِّعةُ خِلاف الرِّفْعةِ في القَدْرِ، ورجل وَضِيعٌ هو ضِدُّ الشريف، والضَّعةُ الذّلُّ والهَوانُ والدَّناءةُ. [لسان العرب، مادة وضع (8/396)]

([2]) معجم المناهي اللفظية [21/21]

([3]) [2/226]